يبدو أنّ اللبنانيين قد اعتادوا على المفارقات في بلد يعيش على حافة الانهيارات المتتالية ويغرق يومياً في تحدّيات اقتصادية ومالية وأمنية لا تنتهي. لكنّ المفارقة هذه المرّة أكبر من أن تمرّ بهدوء... إذ شهد لبنان حالة من الإقفال الكامل، استنفار سياسي، استنفار إعلامي واحتفالات بروتوكولية ضخمة تزامناً مع زيارة البابا لاون الرابع عشر.
زيارة روحية سامية... تحوّلت فجأة إلى حدث سيادي متكامل يعطّل دولة بكاملها ويُظهر هشاشة بنيتها أكثر مما يُظهر استعدادها لاستقبال ضيف كبير بحجم رأس الكنيسة الكاثوليكية.
من الإقفال الشامل للإدارات العامة والمؤسسات الرسمية والبلديات بقرار حكومي إلى تنظيم استقبال رسمي ضخم في مطار بيروت الدولي يضمّ الرؤساء الثلاثة وعقيلاتهم والوزراء والنواب والوفود الدبلوماسية وكبار الموظفين... مشهدٌ بدا وكأنه مأخوذ من زمن آخر أو من دول ما قبل الدولة الحديثة. وهل يليق بلبنان الذي يحتاج اليوم إلى كل ساعة عمل في مؤسساته أن يعلّق دوره الوظيفي ويكتفي بالاستعراض؟
المذكرة رقم 38/2025 الصادرة عن رئيس مجلس الوزراء نواف سلام بإقفال الإدارات والمؤسسات العامة يومي 1 و2 كانون الأول لم تمرّ مرور الكرام. ليس لأن اللبنانيين لم يعتادوا العطل الرسمية والقرارات المفاجئة بل لأن حجم المناسبة وطريقة التعاطي معها شكّلا مادة سياسية واجتماعية غنيّة بالأسئلة. فالقرار وإن غُلّف بعنوان «الاحتفال بزيارة البابا» يعكس في العمق طريقة فهم الدولة اللبنانية لدورها، الدولة تحتفل قبل أن تعمل، الدولة تتوقف قبل أن تُنتج والدولة تُظهر الولاء الرمزي قبل أن تحترم انتظام المرفق العام.
والنتيجة مؤسسات معلّقة، معاملات مؤجّلة، مصالح مواطنين متجمّدة لسبب وحيد أن الدولة المأزومة أرادت أن تظهر بصورة «صاحبة التكريم»!
لم يقتصر المشهد على الإقفال، بل أخذ شكلاً أكثر تعبيراً مع وصول البابا إلى بيروت إذ استُقبل عند درج الطائرة بثلاثة رؤساء رئيس الجمهورية وعقيلته، رئيس مجلس النواب وعقيلته، ورئيس مجلس الوزراء وعقيلته، إضافة إلى الوزراء، النواب، القادة الأمنيين والوفود الرسمية والدينية. في مشهد ربما لم يحدث في أي دولة من دول العالم التي يزورها البابا بما فيها الدول الكاثوليكية ذات الحضور الرمزي العميق.
وهذا الاستقبال الثلاثي يطرح سؤالاً بديهياً، هل هو تجلٍّ لوحدة السلطة في دولة ديمقراطية؟ أم انعكاس مباشر لطبيعة النظام اللبناني القائم على تقاسم الشرعية بدل وحدتها؟
والأهم من ذلك ما هي الصورة التي ينقلها لبنان للبابا القادم من دول تُدار بمؤسسة واحدة، بسلطة تنفيذية واحدة وبدولة لا تتعدّد رؤوسها ولا تتعدد طقوسها؟
في روما حيث يعيش البابا لا تُقفل الدولة الإيطالية أبوابها عند خروجه لزيارة مؤسسة ولا عندما يستقبل قادة العالم. في فرنسا وألمانيا وإسبانيا زيارات البابا تُدار باحترافية أمنية دون المساس بسير المرافق العامة. في بولندا التي تُعدّ من أكثر الدول ارتباطاً بالكنيسة الكاثوليكية لم تُقفل الدولة مرة واحدة بسبب زيارة بابوية. أما في الولايات المتحدة وكندا فيتولى البروتوكول الرئاسي ترتيب الزيارة دون تعطيل مؤسسات أو إغلاق طرق إلّا جزئياً.
أي أن بابا الفاتيكان نفسه معتاد على دول لا تُغلق حين يصل إليها... بل تنظم نفسها باحتراف. فكيف يرى إذن هذا المستوى من الاحتفالات في بلد يعاني من انهيار اقتصادي هو الأسوأ في تاريخه الحديث؟ وكيف يقرأ هذا الاستنفار الرسمي الهائل الذي يتجاوز كل قواعد العمل في الدول الدستورية؟
بالطبع لا يمكن تجاهل العنصر الإعلامي، فمنذ اللحظة الأولى بدا المشهد وكأننا أمام «يوم وطني إعلامي» ضمن بث مباشر من كل القنوات، تحليلات على مدار الساعة، مراسلون في الشوارع وعلى طرق المطار ولوحات ضخمة وصور في كل المناطق، في لغة احتفالية تكاد تقول «ها قد عادت الدولة»!
لكن الحقيقة أن الدولة لم تعد... بل بالكاد أغلقت أبوابها. هذا الاستنفار الإعلامي الضخم لم يكن بريئاً تماماً، فقد بدا كأنه محاولة لإظهار «بهاء» الدولة... في لحظة لا تملك فيها أي قدرة على إظهار ذلك بهاءً حقيقياً.
بدل أن يناقش الإعلام مأساة المؤسسات المنهارة ركّز على الطقوس. وبدل أن يسأل عن كلفة الإقفال على الاقتصاد احتفى بالمشهدية البروتوكولية. إنه استعراض في بلد يفتقر إلى الأساسيات، استعراض يشبه وضع زينة على منزل متصدّع بدل ترميم أساساته.
البابا المعروف بخطه الاجتماعي والإنساني هو أوّل من يرفع الصوت في وجه الظلم الاقتصادي والفقر وانعدام العدالة. فكيف ينظر إلى بلد 80% من شعبه تحت خط الفقر، قطاعه الصحي منهار، خدماته العامة مشلولة، مؤسساته مفلسة، شبابه يهاجر ومع ذلك يُنفق ما تبقّى من طاقته على طقوس استقبال هائلة لزيارته؟
من المؤكد أنّ البابا بحكم خبرته بالدول الديمقراطية يقرأ هذا المشهد بوضوح ومن زاوية نقدية لا احتفالية. فهو يرى دولة تفضّل الاحتفال على العمل والرمزية على الإدارة والبروتوكول على المصلحة العامة.
لا شك أن زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان هي حدث مهم، لكن الطريقة التي أدارت بها الدولة اللبنانية الحدث تكشف أكثر مما تخفي، فهي تكشف أننا ما زلنا نعيش بعقلية طقسية لا بعقلية مؤسساتية، تكشف أننا نُغلق الدولة بدل أن ننظمها، تكشف أننا نبحث عن مجد رمزي بدل البحث عن خلاص فعلي وتكشف أننا نحاول تغطية الانهيار والفشل... بالاحتفال.
يحتاج لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الدولة لا إلى الطقوس، يحتاج إلى المؤسسات لا إلى الاستعراضات، يحتاج إلى إصلاح نمط عمله كي يحترمه البابا كما نحترم نحن أصول عمل الدول. يحتاج إلى العودة إلى منطق الدولة الدستورية دولة القانون والمؤسسات التي لا تتجمّد لأجل زيارة ولا تستبدل عملها الرسمي بعروض شكلية.
لقد آن الأوان للخروج من دائرة الانهيارات لا بتزيينها بل بتغييرها. وآن الأوان لبناء مستقبل أبنائنا لا عبر الاحتفال المؤقت بل عبر استعادة الدولة الحقيقية. فالزيارات تمرّ أما الدول فتبقى، والسؤال اليوم الذي يطرحه المواطن البسيط أي دولة نريد أن تبقى؟
... ومع كل ما سبق نقول بعفويتنا المعتادة أهلاً وسهلًا بقداسة الحبر الأعظم حضرة البابا لاون الرابع عشر في لبنان.