بيروت - لبنان

اخر الأخبار

11 آذار 2026 12:10ص لماذا دعوة لبنان الدول العربية إلى تجمّع دول عدم انحياز جديدة؟

حجم الخط
لم يعد خافياً على أحد أن العالم يدخل اليوم مرحلة جديدة من الصراعات الكبرى. فخلف العناوين اليومية للأخبار تدور مواجهة استراتيجية عميقة بين قوتين عظميين الولايات المتحدة والصين. هذه المواجهة لا تُخاض عبر الاقتصاد والتكنولوجيا بل تتخذ أشكالاً متعددة من التنافس الجيوسياسي والعسكري غير المباشر بما يعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة التي قسمت العالم في القرن الماضي إلى معسكرين متقابلين.
لكن الفارق أن العالم اليوم أكثر تعقيداً بكثير. فالصراع لا يتم عبر خطين واضحين كما كان الحال بين الاتحاد السوفيتي والغرب بل عبر شبكة من الأزمات المتداخلة التي تمتد من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. ففي أوروبا نشهد الحرب الأوكرانيّة المستمرة والتي أصبحت ساحة مواجهة غير مباشرة بين القوى الكبرى. وفي الشرق الأوسط تتفجر الحروب والأزمات من غزة إلى لبنان وتزداد التوترات في أميركا اللاتينية في دول مثل فنزويلا. أما الأخطر فهو الصراع الحالي ما بين الولايات المتحدة وإيران وهو صراع يحمل في طياته انفجار أكبر يطال لبنان ودول الخليج وكل المجتمع الدولي. فهذه المواجهة لا تعني فقط دولتين بل تعني أيضاً أمن الطاقة العالمي واستقرار التجارة الدولية ومستقبل الملاحة في الممرات البحرية الحسّاسة وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يمرّ عبره جزء كبير من النفط العالمي...
انفجار المواجهة المباشرة في هذه المنطقة جعل من لبنان والدول الخليجية أول المتضررين. فالقصف المتبادل واستهداف المنشآت النفطية وتعطيل الملاحة البحرية يُدخل الاقتصاد العالمي في حالة اضطرابات خطيرة ووضع المنطقة بأكملها أمام تحديات غير مسبوقة.
وفي خلفية هذا المشهد تبدو الصين مراقباً استراتيجياً بارعاً. فكلما توسّعت الأزمات التي تُنهك النفوذ الأميركي ازدادت قدرة بكين على توسيع حضورها الاقتصادي والتكنولوجي عالمياً تمهيداً للموقع الجديد. إن الصراع بين القوتين لا يدور فقط حول النفوذ العسكري بل حول قيادة النظام الدولي القادم. المشكلة الكبرى في هذا الصراع أنه يدفع العالم نحو انقسام عمودي جديد، أي أن الدول ستجد نفسها مجبرة على الاختيار بين معسكرين متنافسين، وهنا تكمن المعضلة بالنسبة لدول الشرق الأوسط والعالم العربي.
علّمنا التاريخ أن الانحياز المطلق إلى أحد المحاور الكبرى غالباً ما يتحوّل إلى تبعية سياسية واقتصادية ويجعل الدول الصغيرة والمتوسطة مجرد ساحات للصراعات الدولية. وإذا ما اندفعت المنطقة إلى هذا المنطق فقد نشهد نسخة جديدة من الصراعات الطويلة التي عرفها التاريخ العربي أشبه بما يسميه التراث العربي حرب داحس والغبراء أي صراع طويل لا ينتهي ولا يترك ورائه إلّا الخراب. وإن انخراط الدول العربية في مواجهة مفتوحة بين القوى الكبرى لن يؤدي إلّا إلى استنزاف مقدراتها الاقتصادية والبشرية ويهدّد استقرارها السياسي والاجتماعي لعقود طويلة.
في ظل هذا المشهد الدولي المضطرب تبرز من جديد فكرة استراتيجية عرفها العالم في القرن العشرين وهي فكرة حركة عدم الانحياز. هذه الحركة التي انطلقت بعد مؤتمر باندونغ 1955 وتكرست لاحقاً في مؤتمر بلغراد 1961 كانت محاولة ذكية من قادة العالم الثالث لتجنب الانجرار إلى الصراع بين القوى الكبرى. وقاد هذه الفكرة عدد من الشخصيات التاريخية مثل جمال عبد الناصر وجواهر لال نهرو وجوزيف بروز تيتو. لكن ما يحتاجه العالم اليوم ليس مجرد استعادة الشكل القديم لهذه الحركة بل تطويرها وتحويلها إلى مشروع تعاون استراتيجي جديد فاعل يناسب القرن الحادي والعشرين.
أما لماذا يحتاج لبنان والعالم العربي إلى عدم انحياز جديد؟ فنجد إن دعوة لبنان الدول العربية إلى إحياء فكرة عدم الانحياز ليست مجرد فكرة سياسية بل ضرورة استراتيجية لعدة أسباب أهمها حماية الاستقرار الإقليمي، إذ أن الانخراط في الصراعات الدولية الكبرى يحول الدول إلى ساحات للحروب بالوكالة. وقد عانى الشرق الأوسط لعقود طويلة من هذا الواقع. وعليه تَبَني سياسة «عدم الانحياز المتطور» يمكن أن يمنح الدول العربية هامشاً أكبر من الاستقلالية في قراراتها السياسية والعسكرية ومن ثم حماية الاقتصاد والتنمية، إن مستقبل الدول لا يُبنى بالحروب بل بالاقتصاد والمعرفة. يدخل العالم اليوم عصراً جديداً يقوم على التكنولوجيا المتقدمة، الاقتصاد الرقمي، الذكاء الاصطناعي، الطاقة المتجددة وصولاً لبناء تكتل حضاري واقتصادي جديد. والدول التي تنشغل بالصراعات الجيوسياسية ستجد نفسها خارج هذا السباق التاريخي.
إن فكرة عدم الانحياز الجديدة يجب ألا تكون مجرد موقف سياسي سلبي بل مشروع تعاون اقتصادي وتقني بين الدول المتشابهة في ظروفها وتطلعاتها. يمكن لهذا التكتل أن يشمل إضافة الى الدول الخليجيّة العربيّة دولاً مثل تركيا، ماليزيا، إندونيسيا، باكستان وجنوب أفريقيا ودول من أميركا اللاتينيّة إضافة إلى الدول الإفريقية التي تسعى إلى بناء اقتصادات حديثة ومستقرة.
الفكرة الأساسية التي يجب تطويرها اليوم هي الانتقال من عدم الانحياز السلبي إلى عدم الانحياز التكاملي. أي أن هذه الدول لا تنغلق على نفسها بل تتعاون اقتصادياً وأمنياً فيما بينها، تبني شبكات تكنولوجية مشتركة، تطور منظومات تعليمية متقدمة، تستثمر في الثروة البشرية وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقات متوازنة مع جميع القوى الدولية. بهذه الطريقة يمكن لهذه الدول أن تتحوّل من دول متفرقة ضعيفة التأثير إلى كتلة حضارية واقتصادية وازنة في النظام الدولي الجديد. الهدف الحقيقي مصلحة الشعوب، ففي نهاية المطاف لا ينبغي أن تكون السياسات الدولية مجرد صراع بين الحكومات. الهدف الحقيقي لأي مشروع سياسي يجب أن يكون تحسين حياة المواطنين، ضمان حقوق الإنسان، رفع مستوى التعليم والصحة، خلق فرص العمل للشباب. كما أن بناء اقتصاد قوي في هذه الدول سيحد من موجات الهجرة الواسعة التي تعاني منها الدول العربية والتي تتسبب في خسارة رأس مال بشري هائل وفي الوقت نفسه تخلق توترات اجتماعية وسياسية في الدول الغربية.
يقف العالم اليوم عند مفترق طرق تاريخي فإما أن يستمر تصاعد مسار الصراعات الكبرى التي تحوّلنا الى أدوات حروب واسعة أو أن يُبحث عن نموذج جديد للتوازن الدولي. إن إنشاء تجمع جديد لدول عدم الانحياز الجديد يمكن أن يكون أحد مفاتيح هذا التوازن. ليس الهدف من هذا المشروع مواجهة القوى الكبرى بل إقامة شراكات متوازنة معها في مرحلة المخاض الجديد بعيداً عن منطق الأحلاف العسكرية والانقسامات الحادة. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الجدران السياسية بل إلى جسور من التعاون الاقتصادي والعلمي والثقافي.
إن دعوة لبنان الدول الخليجيّة وباقي الدول العربيّة إحياء فكرة عدم الانحياز ليست دعوة للحياد السلبي بل دعوة إلى الاستقلال الذكي في عالم مضطرب. إنها دعوة لبناء كيان دولي جديد يجمع الدول التي تسعى إلى التنمية والاستقرار والتعاون بدل الانخراط في صراعات القوى الكبرى. قد يبدو هذا المشروع طموحاً لكنه في الحقيقة يعبر عن حاجة عالمية متزايدة، فالنظام الدولي لن يستقر إلّا عندما يجد توازناً يفسح المجال لجميع الحضارات والدول للمشاركة في صنع المستقبل.
إن صناعة هذا الأفق الجديد انطلاقاً من «لبنان الحياد الإيجابي» يفتح الباب أمام مستقبل يليق بأجيالنا الصاعدة ويعيد للبنان والعالم بعضاً من رشده المفقود.