24 نيسان 2026 12:00ص مقاولو الهدم

حجم الخط
منذ العام 1967، بدأ الإعداد لمشروع الهدم، بديلا عن التحرير الذي نودي به، في العام 1948. أخذت «البروباغندا» تتحدث عن إعادة الشرق الأوسط، إلى العصر الحجري. تأسس ذلك على الحالة الشعبية التي كانت عامة، كره الطغيان والفساد والإستبداد، وحكم العسكر المتناسل، وحكم الأبوات، وهيمنة الميليشيات، وظهر مشروع الهدم الذي أعمل فأسه في رؤوس الناس لأكثر من نصف قرن.
كان ذلك الذريعة القوية، لاقت رواجا في الأوساط. فهلّلوا له وردّدوا المقولات نفسها، وراء أبواق الشاشات والإذاعات، كانت تركّز على أن الأنظمة إستبدادية وفاسدة، ولم تعد تطاق. وأخذت أوراق الدول المرشحة للسقوط، تسقط ورقة ورقة، وتوسّع معول مقاولي الهدم، ليطال البلدان جميعا بلا إستثناء.
ما وفّر معول مقاولي الهدم بلدا ولو كان ناعم البال. كان على مشروع الهدم أن لا يرحم أحدا. وجرّ لبنان إلى ذلك جرّا، لأن جميع الناس في الشرق الأوسط، يصلحون للذبح.
انطلقت الشرارة لتكون حرب الخليج الأولى، وهدّمت دولا وأوطانا، وقتلت شعوبا، ثم استفحلت، فبدّدت الخزائن، وحصدت الأرواح. ثم تلتها حرب الخليج الثانية، فكانت أم الكوارث على الناس. لم يبقَ حجر على حجر، ودكّت أنظمة وصعدت أنظمة، وظلت مقولة الطغيان والإستبداد والفساد قائمة، وكانت الأبواق المنددة، تحضر للحروب بنوافذ كثيرة، وأشعلت النيران في جميع الأوطان. نادوا على «الربيع العربي»، وأخذت الأنظمة تتساقط، والبلدان تتهاوى، والحروب تتابع رسالتها: شعارها الهدم لإعادة التأسيس والبناء.
اجتاحت الحروب بلدان المغرب أيضا على بُعدها من دعوى «أرض الميعاد»، ونهبت الثروات، ووضعت اليد على آبار النفط، حيث كانت، فلم ترحم أحدا. وأما البلدان الناجية، فقد كانت تدفع سلفا، ثمن الحروب القائمة.
ما وفّر مقاولو الهدم خطة، ولا بعثة، ولا دسّة ولا دسيسة، كانوا يرفعون الأعلام الحمراء، لإثارة الثيران. واستيقظ الشرق الأوسط كله، على السعير: الفتن الطائفية والأكاذيب المروّجة لحروب التحرير والتهييج، وإشعال النيران وإثارة الدخان.
كانت البلبلة السياسية تنطلق ولا تهدأ، وكانت معاول الهدم تشتغل في الخفاء، وكان تمويل المنظمات والأحزاب وفرق الموت والإستشهاد، يجري على قدم وساق. وأما التنسيق بين التمويل والتخريب والهدم والإنقاذ، فكانت من أساليب إستباحة الخزائن وسلب حقوق الناس. وكان ذلك هو الغطاء، لإعمال الفؤوس في الرؤوس، ولإعمال معاول الهدم، في دكّ الأوطان والبلدان. فما كانت من خيمة على رأس أحد، حتى طالت الحرب الجميع، وسالت الدماء مثل الأنهار، واشتعلت النيران في جميع البلدان.
اندفعت الحرب مثل الوحش، واندفعت وراءها الثيران الهائجة، واندفع مقاولو الهدم بالطائرات والصواريخ والمسيّرات، وصارت البلدان نهبا لهم. فما ندت حدود عن يدهم الطويلة، ولا أمنت راية، ولا أنقذت الناس الأمم. صار الناس جميعا بكل ألوانهم ومشاربهم وهوياتهم، إلى الجحيم.
مقاولو الهدم، فازوا بالمناقصات، في جميع مناطق بلاد الشام: سوريا والعراق ولبنان وفلسطين واليمن. الحروب كثيرة، والذرائع شتى والنتيجة واحدة: ذبح الشعوب كلها، وإسقاط الحدود ومعها العواصم والمدن والقرى، وكذلك الرؤوس الكبيرة.
توحّد الناس في النزوح، توحّدوا أيضا في الإيواء وفي علب الطعام، توحّدوا في الموت تحت الركام. لم تعد هناك ناحية آمنة، ولم يعد هناك مسكن آمن، وصارت الجموع إلى الخيام، وإلى المهاجر، وإلى مركز الإيواء.
مقاولو الهدم ساروا وراء الهروب، دفعوا الناس جميعا إلى اللجوء، منهم من صار إلى الخيام، ومنهم من صار إلى الفنادق، ومنهم من صار إلى مركز الإيواء. وأما المحظوظون، فهم من كانت لهم سبيل لإستقلال طائرة، ومغادرة البلاد.
مقاولو الهدم، حصدوا النتائج كلها: كل الأرزاق لهم، كل الدور لهم، كل المدن والقرى.
بل كل الشطآن وكل الجبال وكل الأنهار، وكل المشاعات. فهل تسأل عن خزائن الدول، وعن حقول النفط، وعن أم القرى؟
جميعها صار ورائها مقاولو الهدم وهي أيضا على اللائحة. فما لم يظفروا به اليوم، يظفرون به غدا...
شعوب الشرق الأوسط، صارت من السائبة. فما من يردّ عنا الغيلة، في الهروب والنزوح واللجوء والمغادرة...
هل من يردّ عنا غارة أو طائرة أو مسيّرة؟
 أم هل من يردّ الغيلة في الخروج وفي السفر؟...
جميع أملاك شعوبنا: مالا وعينا، بل جميع أرواحنا، صارت حقا للمصادرة.
فهل تنفع المصاهرة؟ أم هل تنفع شكاية الحملان للذؤبان؟ وهل ينفع لقاء الحمل والذئب، ومقاولو الهدم خلف الأبواب المغلقة؟
نقولها اليوم بكل أسف، وكذلك بكل صراحة...

* أستاذ في الجامعة اللبنانية