لم يكن استشهاد الزميلة آمال خليل بغارة جوية إسرائيلية منفصلا عن مسار إسرائيلي واحد إجرامي متوحش، بدأ في غزة بإغتيال الإعلامية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة وزملاء كثر لها من وسائل إعلام عديدة في غزة والضفة الغربية لفلسطين المحتلة، عدا قتل الناشطين الدوليين في أساطيل الحرية وفك الحصار، وكله عن سبق إصرار وترصّد، بهدف إستبعاد الشهود عن مجازر العدو الإسرائيلي بحق البشر والحجر، وجاء اغتيال الزميلة آمال بالأمس إستكمالا لمسيرة الاحتلال في كتم الصوت العربي والعالمي الموثِّق لجرائمه ضد الإنسانية التي يفترض أن تخضع للمحاكم الدولية وإنزال أقسى العقوبات بحق قادة كيان الاحتلال من مدنيين وعسكريين.
وفي تعامل الدولة اللبنانية مع ظاهرة اغتيال الصحافيين اللبنانيين وغير اللبنانيين على الأرض اللبنانية، لم يعد يكفي تحويل جرائم الاحتلال الى مجلس الأمن الدولي بشكاوى يتم حفظها في الأدراج كالعادة أو إسقاطها بالفيتو الأميركي وغير الأميركي، بل ربما بات من الواجب إحالة هذه الجرائم الى محكمة العدل والجنايات الدولية، بإعتبار جرائم الاحتلال جرائم حرب سبق ان تحرك ما يسمّى المجتمع الدولي حيال شكاوى مماثلة في حرب تشيكوسلافكيا السابقة واعتقال مرتكبي هذه الجرائم ولو بعد سنوات.
أمّا ما يسمّى المجتمع الدولي، فهو يدير الظهر لجرائم العدو في لبنان من 3 سنوات، متأثرا بالدعم الأميركي والغربي لكيان الاحتلال، حتى ان بعض الدول بررت للعدو جرائمه بحجة انه مستهدف من قبل المقاومين في لبنان وفلسطين، بينما جرائم العدو قائمة في لبنان وفلسطين وضد العديد من الدول العربية منذ العام 1936 بسلاح منظمات الارهاب الصهيونية «شتيرن وهاغانا» قبل قيام كيان الاحتلال كدولة معترف بها، وصولا الى الحروب المتتالية ضد لبنان وأخيرا على سوريا، مرورا بحرب حزيران عام 1967، التي ارتكب العدو فيها جرائم إعدام ميدانية بحق الأسرى من الجنود المصريين والسوريين. وكل قبل وجود حركات المقاومة في لبنان وفلسطين بالعقود الثلاثة الماضية.
بات على ما يُسمّى المجتمع الدولي أن يراجع سياساته تجاه كيان الاحتلال كما فعلت بعض الدول الأوروبية ولو بخطوات خجولة كوقف التسليح أو سحب السفراء لكن لا تكفي لردعه، وما لم تتخذ الدول المنادية بحقوق الإنسان والحيوان إجراءات رادعة بحق الكيان الإسرائيلي فسيواصل جرائمه بحق كل من يعارض سياساته التوسعية القائمة على المجازر، وقد سبق ان قام كيان الاحتلال بتحقير سفراء دول عارضوا سياساته الإجرامية في فلسطين ولبنان، وقطع العلاقات مع دول أخرى كأسبانيا، ما يدلّ على تحدّيه المواقف الدولية واستهتاره بها، طالما انه يحظى بالدعم الأميركي المطلق، مع بطاقة قتل مفتوحة وتسليح مفتوح بأحدث أدوات القتل الجوية والبرية، وتغطية دبلوماسية واسعة تتحدّى أيضا كل دول العالم.
ووفق التجارب مع كيان الاحتلال، فهو لا يفهم إلّا بلغة القوة، ولا يتوجه لتسويات ولو مؤقتة سرعان ما يخرقها إلّا بعد تكبده خسائر كبيرة بشرية ومادية يضجّ بها الداخل الإسرائيلي، وتجارب اتفاقات السلام مع السلطة الفلسطينية، وقبلها الاتفاقات مع لبنان من اتفاق الهدنة عام 1949 الى اتفاق نيسان واتفاق تشرين الثاني 2024 وحتى اتفاق واشنطن الأخير، شاهدة على طبيعة هذا الكيان الموغلة في التوحش وفي نقض العهود والمواثيق والاتفاقات، الى درجة بلغ فيها حد اغتيال رئيس وزرائه اسحاق رابين لأنه عقد اتفاق سلام في كامب ديفيد برعاية أميركية مع الرئيس الراحل ياسر عرفات.
بعد كل هذا... هل يبقى لبنان لاهثاً وراء سراب التسويات مع هذا الكيان، ألم تكفي التجارب السابقة معه ومع غيره من دول عربية؟