23 كانون الأول 2024 12:10ص من الانقطاع الكبير إلى العودة الكبرى.. جنبلاط يستعيد بريقه الدمشقي في عالم ما بعد تراجع المحور!

حجم الخط
من المتوقع أن يحضر الإستحقاق الرئاسي، على الرغم من قوة المواضيع وكثرتها، التي ستكون على طاولة اللقاء، الذي قد يعقد خارج ما يمكن وصفه الزيارة الفضفاضة إلى سوريا، لنقل تهنئة دروز لبنان للقيادة العسكرية الجديدة في البلد الذي أنهكته الحروب والتدخلات، بزعامة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي والنائب السابق وليد جنبلاط، لإبلاغ أبو محمد الجولاني أو أحمد الشرع بصفته قائد المعارضة المسلحة أو «هيئة تحرير الشام» التي زحفت من إدلب إلى حلب وحماه وحمص ودمشق، امتداداً إلى طرطوس أو الساحل السوري، (أرض العلويين) وصولاً إلى السويداء وجبل العرب حيث الثقل الدرزي في سوريا.
من زاوية زعامته، وموقعه في قيادة دروز الشرق الأوسط، لا سيما في لبنان وسوريا، يقدّم جنبلاط إلى الشرع الزعيم الآتي من رحم الثورة المسلحة، أو جبهة النصرة، (الذي كان يتردد أن تسمية سوريا لتنظيم القاعدة في بلاد الشام)، في اطار ورقة تتحدث عن العلاقات اللبنانية - السورية وكيفية تنظيمها في مرحلة ما بعد حكم آل الأسد، الذي امتد من سبعينات القرن الماضي، او حكم حزب البعث العربي الاشتراكي، منذ ما بعد الخمسينيات، بأجنحته المدنية والعسكرية.
في فترة التحالف الذي أعقب الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، وتحديداً في مرحلة المواجهة بدءاً، من العام 1983، حيث كانت «القوات الاسرائيلية» فتحت الباب أمام تركيبة حكم عارضه جنبلاط بقوة بالتحالف مع رئيس حركة «أمل» برئاسة (حليف اليوم الجنبلاطي) نبيه بري.
كان جنبلاط يردّد حقبة التحالف مع الأسد الأب (حافظ) معزوفته الشهيرة، والمحفوظة عن ظهر قلب، «سوريا الأسد، سوريا البعث، سوريا القوات المسلحة».
وفي أحد مؤتمري جنيف ولوزان، وضع جنبلاط الزعيم الدرزي على طاولة الحوار الوطني الى جانب علم الحزب التقدمي الاشتراكي، ومكان العلم اللبناني علم ما أسماه حينها «الجمهورية اللبنانية العربية» تيمُّناً بما يمكن  تسميته بـ«الجمهورية اللبنانية» من دون كلمة العربية، التي حولت لبنان بعد الطائف الى بلد بـ «هوية عربية» كاملة وغير منقوصة، بدل أن يكون لبنان بلده وانتماء عربي..
في بحث جنبلاط عن موقع متقدم لسوريا ما بعد بشار الاسد (رئيس سوريا الذي تفاجأ بانهيار دفاعاته، وقرر الخروج على عجل من قاعدة حميم الروسية في طرطوس إلى موسكو كطالب للجوء السياسي.. لم يتأخر عن لقاء الشرع، الذي خلع «جلباب الثورة» وارتدى ثياباً مدنية، ليس بإمكانها إخفاء اصله العسكري، وليست اشارة إلى سعيه إلى دولة مدنية، لا دينية ولا عسكرية..
كانت نقطة الاتفاق بين الرجلين قبل ان يلتقيا اعتبار قائد الجيش اللبناني العماد جوزاف عون مرشحاً للرئاسة الأولى في لبنان، وسجّل حينها على الشرع افصاحه عن أن عون هو المرشح للرئاسة، على نحو ما كان يفعل رئيسا دمشق السابقين (حافظ ونجله بشار)، من زاوية ان رئيس لبنان مسألة  تعني سوريا، وليس أدل على ذلك من مرحلة ما بعد الطائف، والتمديد للرؤساء، ثم إصرار بشار (الرئيس السوري قبل الثورة) على إبقاء قائد الجيش السابق، الرئيس اميل لحود في سدة الرئاسة، مما تسبب بانهيارات قوية تمثلت بالقرار 1559، ثم اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وصولاً إلى القطيعة  الكبرى مع جنبلاط، الذي صار أحد زعماء 14 آذار، وصاحب التوصيف الشهير في أحد خطاباته عن الرئيس بشار الاسد بأنه «قرد لم تعرف مثله الطبيعة».
وإذا كانت اشارة جنبلاط طبيعية من حيث حساباته في المجريات اليومية اللبنانية، ولعبة المصالح الداخلية، والتحالفات وتعقيداتها، فإن ترشيح الشرع  حمل تساؤلات، عن الأهداف والحسابات، أو خلاف ذلك في فهم الخطوة..
ومع ذلك، فإن العودة الكبرى إلى جنبلاط إلى قلب الشام، إلى دمشق، ليس بحثاً عن تحالفات، على غرار الماضي، بل ضمن سلة تعاملات تأخذ بعين الإعتبار المخاض التغييري في انهيار نسق الممانعة على الانموذج السوري، وما يشبه من نموذج ايراني وسواه..
ليس جنبلاط في وارد الثأر من اخفاق قوة المحور الإيراني- السوري، الذي توهم كثيرون، لوقت من الأوقات أنه مدعوم من روسيا الاتحادية، الدولة الثانية في نظام الأقطاب العالمي، لكن لا تساهل في السياسة، وفي توفير الأرضية للإنتقال من موقع إلى موقع آخر، لا سيما وأن الموحدين الدروز من الناحية الانتمائية التاريخية كانوا أقرب الى الحاضنة العربية السنيّة، من أي  حاضنة أخرى.
من قصر الشعب في سوريا، استعاد جنبلاط بريقه الدمشق كزعيم للدروز العرب، ضمن مشروع الاستقرار العربي، والإنضواء تحت الشرعية العربية والشرعية الدولية.. ومعه قصص وروايات عن الشام،  وعبد الحليم خدام، وحكمت الشهابي، وغازي كنعان، فضلاً عن الرئيس حافظ الاسد.
والمسألة بمعنى ما تتخطى مشاركة الشعب السوري بفرحته «بإسقاط الطاغية» حسب تعبير الأنباء الإلكترونية (الناطقة بلسان الحزب التقدمي الاشتراكي) فهي أشبه  بتقديم اعتماد لأن يكون الزعيم الدرزي لاعباً في علاقات لبنانية - سورية، تُبعد شبح التدخل أو الوصاية، التي عانى منها الأمرَّين، سواء بالاتفاق أو الاختلاف على الرئيس أو غيره من المسائل!