دخلتُ القاعة التي احتضنت اللقاء بدعوةٍ فضفاضة لم أفهم مغزاها، غير أنّ الدقائق الأولى وبحكم تجربتي السابقة كانت كافية لأدرك أنّ ما يجري ليس تشاوراً بل تجميعاً شكلياً لذواتٍ متفرقة ومجموعاتٍ لا يجمعها مشروع ولا رؤية ولا حتى فهمٌ مشترك لسبب وجودها في المكان ذاته. خرجتُ من ذلك اللقاء بسؤالٍ مركزي واحد كيف وصلت ساحة الجمعيات الدينية والاجتماعية والثقافيّة في بيروت إلى هذا المستوى من التبعثر المنهجي والضياع البنيوي والعجز عن التفكير خارج حدود الانتماء الجزئي والفردي الضيق بعد أن كانت تقود التفاعل الفكري العربي والعالمي؟
ما رأيته مع أصدقاء تحمّلوا عبء الحضور من البقاع والشمال ليجدوا أنفسهم غرباء في عاصمتهم لم يكن حالة طارئة، بل تعبيراً مكثفاً عن أزمة أعمق تطال الواقع السنّي اللبناني عموماً والبنية الفكرية والسياسية التي تتحرك داخلها هذه الجمعيات. أزمة يمكن توصيفها دون مبالغة بأنها انتقال جماعي من منطق الفعل إلى منطق الوهم ومن مشروع القوة إلى بناء الوهن والترويج له!
في العلوم الطبيعية وخصوصاً في الكيمياء يتعلّم الطالب منذ المراحل الأولى أن الجُزَيء لا يُفهم خارج بنيته، وأن الذَرّة لا معنى لها إن فُصلت عن النظام الذي تنتمي إليه، وأن أي تفاعلا بلا سياق يتحوّل إلى فوضى أو انفجار. هذا المنطق العلمي البسيط يبدو غائباً كلياً عن التفكير الجمعياتي والسياسي الإجتماعي في بيروت.
كل جمعية حضرت ذلك اللقاء كانت تحمل جزءاً صغيراً من الحقيقة لكنها تتعامل معه بوصفه الحقيقة الكاملة. واحدة تختصر الدين في عبارة لاهوتية جامدة مجتزأة وتعتبرها ذروة الفكر لا مدخلاً له. أخرى ترفع شعاراً اقتصادياً بلا أي إدراك لمنطق الدولة ومؤسساتها أو تعقيدات المجتمع. ثالثة تستعيد زعامات تاريخية انتهى زمنها وتُسقِط مشاريعها على واقع تغيّرت معطياته جذرياً، ورابعة تتحدث عن مركز دراسات لم أفهم قواعد عمله وشراكاته وأهدافه العمليّة وخامسة قد لا تمتلك تعريفاً لنفسها إلّا عبر معاداة غيرها... هكذا تتحوّل الجزئيات إلى أصنام ويصبح الاختلاف سبباً للصراع لا للتكامل، ويُختصر العمل العام في مباراة شعارات بدل أن يكون مساراً لبناء مجتمع، وتزداد بعدها الحاجة الى تفقيس جمعيات بعناوين وانقسامات جديدة!
الأخطر في هذا المشهد أنّ المشكلة ليست نقصاً في الموارد أو الكفاءات. على العكس الساحة السنيّة والبيروتية تحديداً غنية بالطاقات البشرية والخبرات الأكاديمية والمؤسسات القائمة والشباب المتعلم. لكن كل ذلك يتحرك بلا بوصلة أو وفق بوصلة لا نراها، لأن ما يغيب هو «المشروع السياسي الاجتماعي المتكامل والبنية القيميّة» التي تنظّم العلاقة بين الدين والمجتمع والدولة بعد تضييع معالم الدولة ووظيفتها.
نحن أمام حالة تشبه تماماً تفاعلاً كيميائياً تتوفر فيه العناصر لكن يُغيب العامل المحفّز فلا يحدث التفاعل... أو يحدث بشكلٍ عشوائي مدمّر. العامل المحفّز هنا هو الرؤية الكلية الشمولية أو ما يُعرف في العلم الحديث بمنطق الـ Holistic أي القدرة على رؤية الجزئيات ضمن كليات، والوظائف ضمن نظام والانتماءات ضمن مشروع وطني كياني جامع.
التاريخ السنّي في لبنان قبل تشويهات سلطة محاصصة امتيازات ميليشيات الاتفاق الثلاثي وحلف أقلياته لم يُبنَ يوماً على الانغلاق أو الاجترار. الإمام الأوزاعي الذي يُفترض أن يكون مرجعية منهجية لا شعاراً موسمياً، قدّم نموذجاً فكرياً يقوم على العقل المجتهد وفق معادلة قواعد العلم الفكر والقيم والعدل وتنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع وحماية السلم الأهلي وحكمة التعامل مع الخارج. أما ما نعيشه اليوم فهو انقطاع قِيَمي واضح عن هذا الإرث لصالح تقليدٍ مميت يعطّل التفكير ويمنع التفاعل الخلاق بين الأفكار. وهنا تحضر مقولة الفيلسوف غاستون باشلار بكل ثقلها «أهم عائق أمام المعرفة هو تراكمات المعرفة المشوّهة» فنحن لا نعاني من الجهل بل من فائض معرفة مشوّهة تُنتج ثقة زائفة بعيدة عن الواقع والسياق الإجتماعي وخطاباً تبسيطياً لعقل مسطح لم يتعوّد على تفاعل التزاوج البناء، وسلوكاً سياسياً قاصراً يعيش على قصص أمجاد الماضي كما يتخيّلها هؤلاء لا وفق حقيقتها وسنن الله في قواعد التغيير البنّاء.
النتيجة الطبيعية لهذا المسار هي ما يمكن تسميته بوضوح «صناعة الوهم وبناء الوهن» وهم الزعامة وهم الامتياز ووهم الخصوصية السنيّة البيروتيّة وربما الشوفيّة وغيرها وضرورة التمسّك بها داخل نظام الامتيازات الطائفية الأوسع في لبنان. بعضهم لا يزال يراهن على «مساحة امتيازات سنيّة» داخل نظام أثبت فشله فيما الطوائف الأخرى راكمت تنظيماً وإمكانات ومرجعيات داخلية وخارجية ومع ذلك تشعر أن مصيرها مهدّد!
هذا التفكير لا ينتج قوة بل يرسّخ الهشاشة ويُبقي الساحة مفتوحة أمام زعامات مموّلة تستثمر في تسطيح العقول وفي التجميع الإنتخابي الموسمي للتناقضات وفي التبعثر القائم لتعيد إنتاج ذاتها المشوّهة بلا أي مشروع إنقاذي حقيقي.
الخروج من هذا المأزق لا يكون بتكاثر الجمعيات ولا بتبديل الشعارات بل بتشكيل نواة صلبة مجموعة تمتلك وضوحاً فكرياً وأخلاقياً وتؤمن بأن الجزئيات لا تُلغى بل تُوظَّف داخل كليات شمولية. نواة تتبنى أيديولوجيا وسطية إنقاذية لا بوصفها ترفاً فكرياً بل شرطاً لإعادة بناء الدور والموقع. نواة تعيد تعريف السياسة كخدمة عامة لا كزعامة، وتعيد تعريف الدين كمنظومة قيم «إيمان وعمل صالح» منفتح بايجابيّة على كل التفاعلات البنّاءة لا كشعار تعبوي، وتعيد تعريف العمل الاجتماعي كمسار تكاملي لا كجزر متصارعة.
في جوهر هذا الطرح لا نسعى إلى أبطال جُدد ولا إلى زعامات بديلة. ما نطمح إليه هو أن نكون أشخاصاً عاديين منسجمين مع أنفسنا وقناعاتنا داخل مجموعة ممتازة، مجموعة قادرة على توفير الأمان والاستقرار النفسي والروحي والاجتماعي لأبنائها في بيروت والمناطق، وعلى إعادة وصل لبنان بمنطق إنتاج المعرفة وتطويرها وتبادلها والتفاعل البنّاء مع الآخر كشريك حقيقي لا كخصم.
الانتقال من مرحلة صناعة الوهم وبناء الوهن إلى صناعة حالة سياسية واجتماعية إنقاذية ليس خياراً نظرياً بل ضرورة تاريخية تمتلك حالياً مقوماتها الطائفة السنيّة أكثر من غيرها. ومن لا يجرؤ على هذا الانتقال اليوم سيجد نفسه غداً مشلولاً خارج الزمن وخارج القدرة على التأثير وخارج مشروع الوطن... وحتى خارج التاريخ والجغرافيا المتغيّرة.