في العقود الأخيرة، برزت إيران كفاعل إقليمي يعتمد مقاربة أمنية خاصة يمكن توصيفها بـ «الدفاع المتقدم»، وهي استراتيجية تقوم على نقل خطوط الاشتباك خارج الحدود الوطنية، وبناء منظومات نفوذ في محيطها الإقليمي، خصوصاً داخل عدد من العواصم العربية، بما يسمح لها بإدارة الصراع بعيدًا عن أراضيها. هذه المقاربة لم تكن خياراً تكتيكياً عابراً، بل تشكّلت تدريجياً في سياق تاريخي وجيوسياسي معقد، تداخلت فيه هواجس الأمن القومي مع إرث الثورة الإسلامية وطبيعة البيئة الإقليمية المضطربة.
منذ عام 1979، دخلت إيران في حالة مواجهة مفتوحة مع محيطها، سواء مع القوى الدولية أو مع عدد من الدول الإقليمية. وقد شكّلت الحرب العراقية الإيرانية نقطة تحوّل مفصلية في صياغة التفكير الاستراتيجي الإيراني؛ إذ كشفت تلك الحرب عن هشاشة العمق الدفاعي، وأظهرت أن نقل المعركة إلى الداخل يفرض كلفة بشرية واقتصادية هائلة. ومن هنا، بدأت تتبلور قناعة راسخة لدى صناع القرار في طهران بضرورة بناء منظومة دفاعية تتجاوز الحدود الجغرافية، بحيث لا تتكرر تجربة الحرب المباشرة على الأراضي الإيرانية.
في هذا الإطار، سعت إيران إلى بناء شبكة نفوذ متعددة المستويات في عدد من الدول العربية، مستفيدة من هشاشة بعض الدول، ومن الانقسامات السياسية والطائفية، ومن الفراغات التي خلّفتها التحولات الكبرى في المنطقة. لم يكن الهدف مجرد توسيع النفوذ التقليدي، بل إقامة ما يشبه «حزاماً دفاعياً متقدماً» يمتد من العراق إلى سوريا ولبنان، وصولاً إلى اليمن. هذا الامتداد الجغرافي منح طهران قدرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية، ووفّر لها أدوات ردع غير مباشرة في مواجهة خصومها.
وقد تجلّى هذا النهج بوضوح بعد الغزو الأميركي لـ العراق عام 2003، حيث استثمرت إيران التحولات السياسية لتعزيز حضورها داخل الدولة العراقية. ومن خلال دعم قوى سياسية وعسكرية محلية، تحوّل العراق إلى ركيزة أساسية في منظومة «الدفاع المتقدم». وتكرر هذا النموذج، وإن بأشكال مختلفة، في سوريا بعد اندلاع الحرب عام 2011، حيث اعتبرت طهران أن سقوط النظام هناك سيؤدي إلى انهيار أحد أهم خطوطها الدفاعية، فتدخلت للحفاظ عليه، سواء عبر الدعم المباشر أو عبر حلفائها.
أما في لبنان، فقد شكّل دعم حزب الله نموذجاً متقدماً لهذه الاستراتيجية، إذ تحوّل الحزب إلى فاعل عسكري وسياسي مركزي، يؤدي دوراً مزدوجاً: داخلياً في التوازنات اللبنانية، وإقليمياً كأداة ردع في مواجهة إسرائيل. بهذا المعنى، لم يعد الصراع في المنطقة يُدار فقط بين الدول، بل عبر شبكة معقدة من الفاعلين غير الرسميين المرتبطين بمراكز نفوذ إقليمية.
غير أن مفهوم «الدفاع المتقدم» لم يقتصر على البعد العسكري، بل شمل أيضاً أبعاداً سياسية واقتصادية وأيديولوجية، حيث سعت إيران إلى ترسيخ نفوذ طويل الأمد داخل المجتمعات والدول، بما يضمن استمراريته حتى في ظل تغيّر الأنظمة أو التحالفات. لكن هذه المقاربة، رغم فعاليتها في إبعاد المواجهة المباشرة عن الداخل الإيراني لفترة طويلة، حملت في طياتها تناقضاً بنيوياً: فكلما اتسعت رقعة النفوذ، اتسعت معها رقعة التهديد.
الحرب الدائرة حالياً في المنطقة تمثل ذروة هذا التناقض. فهي، من جهة، ترجمة واضحة لاستراتيجية خوض الصراعات عبر الساحات الخارجية، ومن جهة أخرى، تكشف حدود هذه الاستراتيجية. إذ لم تعد المواجهات محصورة في الأطراف، بل بدأت ترتد نحو المركز. فقد وصلت تداعيات الصراع، بشكل مباشر إلى داخل إيران، وهو تطور يحمل دلالات استراتيجية عميقة.
إن وصول الحرب إلى الأراضي الإيرانية يعني أن مبدأ «تحصين الداخل عبر القتال في الخارج» لم يعد يعمل بالكفاءة نفسها. فالتشابك الإقليمي، وتعدد الجبهات، وتداخل الفاعلين، جعل من الصعب احتواء الصراع ضمن حدود جغرافية معينة. كما أن الخصوم بدورهم طوّروا أدواتهم، بحيث باتوا قادرين على نقل المواجهة إلى العمق الإيراني، سواء عبر ضربات مباشرة أو عبر وسائل غير تقليدية.
هذا التحول يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل «الدفاع المتقدم» كعقيدة استراتيجية. فهل يمكن الاستمرار في هذه السياسة في ظل تآكل الفاصل بين الداخل والخارج؟ أم أن المرحلة الراهنة تفرض إعادة نظر في أسسها؟ كذلك، فإن تحويل عدد من الدول العربية إلى ساحات صراع مفتوحة لم يحقق فقط أهدافًا إيرانية، بل أدى أيضاً إلى استنزاف طويل الأمد، وإلى خلق بيئات غير مستقرة قد تنعكس تداعياتها على الجميع، بما في ذلك طهران نفسها.
في المحصلة، يبدو أن الاستراتيجية التي صُممت لتجنّب الحرب على الأراضي الإيرانية قد نجحت مرحلياً، لكنها لم تمنع تحقق هذا السيناريو على المدى البعيد. ومع وصول الحرب إلى الداخل الإيراني، تدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراع، حيث لم تعد الجغرافيا كافية لحماية الدول، ولم يعد بالإمكان الفصل بين ساحات النفوذ ومراكز القرار. إنها لحظة اختبار حقيقية لعقيدة «الدفاع المتقدم»، وللقدرة على التكيّف مع واقع إقليمي يتسم بسيولة غير مسبوقة، حيث قد يتحول الهامش إلى مركز، وقد تعود الحروب إلى حيث حاولت الدول طويلاً إبعادها.