بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 شباط 2026 12:05ص هل تنجح حسابات العقل في كبح اندفاعة التصعيد بين واشنطن وطهران؟

إسرائيل تنفخ نيران الحرب لإفشال أي تسوية محتملة لا تأخذ مصالحها بالاعتبار

حجم الخط
في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بمحاولات حثيثة لإبعاد شبح الحرب بين إيران والولايات المتحدة، تبدو إسرائيل وكأنها تسير عكس التيار، لا تخفي رغبتها في تضخيم احتمالات المواجهة، ولا تتردد في الترويج لفكرة أن الحرب باتت وشيكة.
هذا السلوك لا يأتي من فراغ، بل ينطلق من حسابات استراتيجية ترى فيها تل أبيب أن اندلاع حرب أميركية - إيرانية قد يشكّل فرصة تاريخية لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة لمصلحتها.
منذ أسابيع، تتكاثر الإشارات الصادرة عن تل أبيب التي توحي بأن خيار المواجهة بات وشيكاً، سواء عبر خطاب سياسي عالي النبرة، أو من خلال تسريبات محسوبة توحي بالاستعداد لسيناريوهات عسكرية واسعة. في المقابل، لا تبدو واشنطن في وارد التسرّع نحو الحرب، رغم تشدّدها في الخطاب والعقوبات، إدراكاً منها بأن أي مواجهة مفتوحة مع طهران لن تكون محدودة، بل ستشعل أكثر من جبهة، وستفرض كلفة سياسية واقتصادية وأمنية باهظة.
الدافع الإسرائيلي إلى هذا السلوك ليس وليد اللحظة. فتل أبيب ترى في أي تقارب أميركي – إيراني تهديداً مباشراً لاستراتيجيتها القائمة على عزل إيران وإبقائها تحت ضغط دائم. كما تعتبر أن انشغال واشنطن بمسارات تفاوضية يقيّد هامش الحركة الإسرائيلية، ويؤجل الحسم الذي تسعى إليه منذ سنوات. من هنا، يصبح نفخ نار التوتر وسيلة لدفع الولايات المتحدة إلى خيارات أكثر تشدّداً، أو على الأقل لإفشال أي تسوية محتملة لا تأخذ المصالح الإسرائيلية في الاعتبار.
في المقابل، تتحرك عواصم عربية وأجنبية على أكثر من خط، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الحرب، إن وقعت، لن تكون بين طرفين فحسب، بل ستطال استقرار الإقليم بأسره. هذه المساعي لا تنطلق من تعاطف سياسي مع هذا الطرف أو ذاك، بقدر ما تنبع من حسابات واقعية ترى في الحرب وصفة للفوضى، وتهديداً مباشراً لأمن الطاقة، والملاحة، والاقتصادات الهشّة أصلاً في المنطقة.
اللافت أن هذا الحراك الدبلوماسي يتم بهدوء، وبعيداً من الأضواء، في محاولة لبناء مخارج تحفظ ماء الوجه للجميع. فواشنطن تحتاج إلى تجنّب حرب قد تفرض عليها التزامات طويلة الأمد في وقت تعيد فيه ترتيب أولوياتها العالمية، فيما تدرك طهران أن أي مواجهة مباشرة قد تفتح الباب أمام استنزاف قاسٍ على جبهات متعددة. أما الدول العربية، فتخشى أن تتحوّل ساحاتها إلى مسرح لتصفية الحسابات، وأن تدفع مجتمعاتها ثمن صراع لا قرار لها فيه.
وسط هذا المشهد، تبدو إسرائيل شبه معزولة في اندفاعها. فهي تراهن على منطق «الضربة الوقائية» وعلى فرضية أن الحرب، مهما كانت كلفتها، ستؤدي في النهاية إلى إضعاف خصمها الاستراتيجي. غير أن هذا الرهان يتجاهل دروس السنوات الماضية، حيث أثبتت التجارب أن الحروب في الشرق الأوسط نادراً ما تبقى تحت السيطرة، وأن نتائجها غالباً ما تأتي معاكسة للتوقعات الأولى.
والأخطر في هذا السياق، أن استمرار النفخ في نيران الحرب يرفع منسوب الأخطاء وسوء التقدير، فالخطاب الإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة يشي بتصعيد مدروس، يقوم على تضخيم التهديد الإيراني وربطه مباشرة بالأمن القومي الغربي، في محاولة لدفع واشنطن نحو خيارات أكثر تشدّداً، لانه باعتقاد القيادة السياسية في اسرائيل أن في هذا السياق ترى مصادر سياسية متابعة انه من منظور إسرائيلي، تشكّل إيران محور التهديد الأكبر، ليس فقط بسبب برنامجها النووي، بل بسبب شبكة نفوذها الإقليمي الممتدة من الخليج إلى المتوسط، وأي حرب واسعة بين واشنطن وطهران من شأنها أن تُنهك إيران عسكرياً واقتصادياً، وتضرب ركائز هذا النفوذ، وتعيد خلط الأوراق في ساحات تعتبرها إسرائيل مصادر تهديد مباشر.ولذلك تبدو إسرائيل المستفيد الوحيد تقريباً من حرب لا تدفع هي كلفتها المباشرة، لكنها تجني نتائجها الاستراتيجية.
وتؤكد المصادر ان الولايات المتحدة تدرك أن الحرب مع إيران ليست نزهة عسكرية، بل مغامرة محفوفة بالمخاطر. فهي حرب قد تمتد جغرافياً، وتنعكس على أسواق الطاقة، وتطال مصالحها وقواعدها في المنطقة وتفجر توترات إقليمية يصعب احتواؤها. كما أن واشنطن، المنهمكة بأولويات عالمية أخرى، لا تبدو متحمّسة للدخول في نزاع مفتوح قد يستنزفها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، رغم ما تحشده من أساطيل لذلك، تميل المقاربة الأميركية إلى إدارة الصراع لا تفجيره، والضغط على طهران دون الذهاب إلى مواجهة شاملة.
أما المجتمع الدولي، فينظر إلى أي حرب محتملة بعين القلق، فالتجارب السابقة أثبتت أن الحروب الكبرى في الشرق الأوسط لا تبقى محصورة ضمن حدودها، بل تتدحرج تداعياتها إلى ما هو أبعد من الإقليم. من هنا، تتكثف الجهود الدبلوماسية لتبريد الجبهات، ومنع الانزلاق إلى سيناريو كارثي، يدفع ثمنه المدنيون أولاً، ويدفع ثمنه الاستقرار العالمي لاحقاً.
من هنا يظهر التناقض صارخاً بين من يحاول تفادي الحرب، وإسرائيل التي تسعى إلى تسريعها. وبين هذين المسارين، يبقى السؤال المشروع: هل تنجح حسابات العقل في كبح اندفاعة التصعيد، أم تنتصر رهانات الربح السياسي والعسكري على حساب الاستقرار؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن نار الحرب، إذا اشتعلت، لن تميّز بين من أشعلها ومن حاول الاستثمار فيها، فلننتظر اللقاء الإيراني - الأميركي يوم الجمعة في تركيا والذي على أساسه يتحدّد مسار التطورات.