ليست صخرة الروشة في بيروت مجرّد معلم طبيعي أو وجه سياحي للعاصمة اللبنانية. إنّها، في المخيال الشعبي، نقطة تماسّ بين الحياة والموت: مسرح مفتوح للانتحار كما هي أيقونة للبقاء والصمود في وجه البحر. وحين أضاء حزب الله هذا الصرح بصور قادته الذين اغتيلوا، لم يكن الفعل مجرّد احتفال عابر بذكرى الموت، بل ممارسة نفسية جماعية متشعّبة المعاني، تستحق قراءة في ضوء التحليل النفسي السياسي.
١-الحزن الذي يُعاد مسرحته
إنّ فقدان القادة عبر الاغتيال يولّد جرحًا نرجسيًا عميقًا في الجماعة، جرحًا يهدّد تماسك الهوية ويستحضر مشاعر العجز والهشاشة. لكن بدل الانكفاء على الحزن الفردي، يتم تحويل الفقد إلى طقس جماعي يدمج الحداد بالفخر. هذا التحويل هو ما وصفه فرويد في الحداد والمالنخوليا: انزياح الحزن من الذات إلى الموضوع، حيث الجماعة تُعيد تمثيل الموت لا كخسارة، بل كبطولة تُخلّد القائد داخل جسدها الرمزي.
٢-من مسرح الانتحار إلى مسرح البطولة
لا يمكن فصل دلالة الروشة عن كونها مسرحًا متكرّرًا للانتحار في بيروت. هذه الصخرة التي ارتبطت في اللاوعي الجمعي باليأس والفقد الفردي، تحوّلت فجأة إلى شاشة تُعرض عليها صور الموت البطولي. هنا، تعمل الجماعة على ترويض الموت: تأخذ مكانًا مشبعًا بدلالات الانطفاء الفردي، وتعيد تأويله ليصبح رمزًا للخلود الجماعي. وكأنّ الفعل يعلن: موت قادتنا ليس انتحارًا يائسًا، بل شهادة تنبض بالحياة.
٣-الاستحواذ على الرمز الوطني
الروشة ليست حيادية؛ هي رمز لبيروت المنفتحة والسياحية والعالمية. اختيارها هو فعل استحواذ رمزي على وجه لبنان، وفرض صورة حزبية على فضاء يُفترض أنّه مشترك ووطني. من منظور التحليل النفسي، هذه خطوة تعكس رغبة في الهيمنة على «الأنا الجماعي اللبناني» وإعادة صياغته. إنّه نوع من الاستعراض النرجسي للجماعة، حيث تُسقط صورتها على المعلم الأشهر لتقول: لبنان هو نحن.
٤-التعويض عن القلق الوجودي
تعيش الجماعة المؤيدة لحزب الله في ظل شعور دائم بالتهديد: حصار، اغتيالات، صراع عسكري مستمر. أمام هذا القلق الوجودي، يصبح إضاءة الصخرة فعلًا من آليات الدفاع: تعويضًا عن الخوف، وسيطرة رمزية على المجهول. فالصخرة – بما تحمله من ثبات أمام الأمواج – تُستعار لتجسيد حلم الجماعة بالثبات أمام العواصف السياسية والعسكرية.
٥-الطقس كإعادة ولادة جماعية
في لحظة الاحتفال، يغدو الفرد مندمجًا بجماعة تُحوّل موت زعيمها إلى ميلاد جديد. هذا هو جوهر الحداد الجمعي: أن يتحوّل الفقد إلى مناسبة لاستعادة الهوية وتثبيت الانتماء. إنّها لحظة اندماج نفسي، حيث الصور المضيئة لا تُرى فقط بالعين، بل تُستبطن كطمأنة لاواعية: لن نفقد حضورنا، نحن خالدون مثل الصخرة.
٦-تمرّد الابن على سلطة الأهل
لكن البُعد الأهم يتعدّى الجماعة إلى الدولة. فما حدث على صخرة الروشة هو أيضًا فعل تمرّد رمزي على سلطة الدولة اللبنانية، يشبه في جوهره تمرّد الابن الضال على سلطة الأهل. فالحزب يتصرّف كمن لم يعد يعترف بمرجعية الوالد–الدولة، بل يفرض هويته الخاصة في قلب المجال العام.
من الناحية النفسية، هذا التصرّف يكشف عن علاقة مضطربة بين الحزب والدولة: علاقة تتأرجح بين الاعتماد والرفض، بين الحاجة للحماية والتمرّد على السلطة. والتمرّد هنا يمنح شعورًا بالقوة والاستقلال، لكنه في العمق يخفي قلقًا من الاعتراف بالقصور، كأنّ الجماعة تقول: «نحن كبرنا على وصاية الأهل، ولم نعد نحتاج إلى شرعية الدولة».
٧-تداعيات على صورة الدولة والعدو
هذا التمرّد لا ينعكس داخليًا فقط، بل له تداعيات خارجية. فحين تُضاء صخرة الروشة رمز العاصمة بصور حزبية من دون إذن الدولة، فإنّ ذلك يمنح إسرائيل حجّة إضافية: إذا كانت الدولة عاجزة عن منع صورة، فكيف ستكون قادرة على ضبط السلاح؟
من منظور التحليل النفسي السياسي، هذا الفعل يضعف صورة الدولة كـ«الأب القادر»، ويظهرها بموقع العاجز أمام «ابن متمرّد» يفرض حضوره في العلن. إسرائيل، والخصوم عمومًا، يلتقطون هذه الرسالة ليبنوا خطابهم: «لبنان فاقد للسيادة لأن قراره موزّع بين الدولة والجماعة المسلحة». وهكذا يتحوّل العرض النفسي الداخلي إلى ورقة ضغط استراتيجية بيد الخصم.
٨-الصخرة كمرآة للصراع
الروشة، إذن، لم تكن مجرّد خلفية طبيعية. إنّها تحوّلت إلى مرآة تُظهر الصراع على لبنان:
•صراع بين الحياة والموت، بين الانتحار والشهادة.
•صراع بين الجماعة والدولة، بين الابن والأهل.
•صراع بين الداخل والخارج، حيث الفعل الرمزي الداخلي يُترجم فورًا إلى حجّة سياسية في يد العدو.
إضاءة صخرة الروشة لم تكن فعلًا عاطفيًا فحسب، بل ممارسة نفسية–رمزية بالغة التعقيد. إنّها مسرحة للحزن، تحويل للموت الفردي إلى بطولة جماعية، استحواذ على الرمز الوطني، وتعويض عن قلق وجودي عميق. لكنها أيضًا تمرّد على سلطة الدولة، تمرّد الابن على الأهل، بما يحمله من لذة نفسية آنية، وبما يولّده من هشاشة في صورة الوطن.
هكذا نفهم لماذا أثار المشهد جدلًا واسعًا: لأنّه لم يكن موجّهًا للعين وحدها، بل للاوعي الجماعي اللبناني، وللاوعي الإقليمي أيضًا، حيث إسرائيل تلتقط صور الروشة لتطرح سؤالها المبطّن: إذا كانت الدولة لا تملك سلطة على صورة، فهل تملك سلطة على السلاح؟
بهذا المعنى، لم تكن الصخرة مجرّد صخرة. كانت مسرحًا لمواجهة نفسية–سياسية عميقة: مواجهة بين الحزن والقوة، بين الابن والأهل، بين الداخل والخارج، وبين لبنان المتنازع على صورته ووجهه.
إكما أنّ هذا الفعل يذكّرنا بما وصفه فرويد في «الطوطم والحرام»: أسطورة الجماعة الأولى التي قتلت الأب المؤسِّس ثمّ عادت لتقدّسه رمزياً كي تضبط عنفها. هنا، يُستعاد القائد المقتول في صورة مضاءة على واجهة الصخرة، كأنّ الجماعة تعيد إنتاج المشهد نفسه: قتلٌ يتبعه تقديس، حرامٌ يتبعه طوطم. وبين الانتحار الفردي الذي شهدته الصخرة مراراً والانتحار الجماعي المبطّن في هذا الفعل، يبقى الوطن معلقاً على حدٍّ رفيع بين الولاء للحياة وبين التماهي بالموت….
(*)معالجة نفسية