المحامية رنا عمر زين*
بمناسبة الاحتفال باليوم العالميّ لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر، نُجدّد التأكيد على أن كرامة الإنسان وحقوقه لا تتجزأ، وأن حماية هذه الحقوق يجب أن تمتد لتشمل العصر الرقمي بكل ما يحمله من تحديات وفرص. فهذه المناسبة ليست مجرد احتفال رمزي، بل محطة لتقييم مدى احترام الدول والمؤسسات لحقوق الإنسان في ظل التحوّل التكنولوجي السريع.
فحقوق الإنسان لا تتوقف عند حدود الزمان أو المكان، بل تتطور مع تطور المجتمع لتواكب متغيّراته وتحمي الإنسان في جميع البيئات التي يعيش فيها. وهذا يعني أن حماية الكرامة الإنسانية يجب أن تشمل الفضاء الرقمي كما تشمل العالم الواقعي، إذ لا فرق بين انتهاك مادي وآخر إلكتروني يمسّ الحرية والخصوصية.
وإنّه في زمنٍ تتسارع فيه الثورة الرقمية ويتعمّق فيه حضور الذكاء الاصطناعي في كل مجالات الحياة، بات من الضروري أن يتقدّم القانون بخطواتٍ توازي سرعة التقنية. فالقانون هو الأداة التي تضمن التوازن بين التقدم العلمي وحماية القيم الإنسانية، حتى لا تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة اللهيمنة أو التمييز.
لأنّ غياب التنظيم القانوني يجعل التطور التقني سلاحاً ذا حدّين، قد يُستخدم في التقدّم كما قد يُستغل للإضرار بحقوق الأفراد وحرياتهم. ومن هنا تنبع أهمية وضع أطر قانونية مرنة وشاملة تُحدّث باستمرار لمواكبة التغيّرات التقنية دون المساس بالحقوق الأساسية.
فالذكاء الاصطناعي، رغم ما يقدّمه من فرص هائلة في مجالات الطب والتعليم والإدارة، يثير أسئلة جوهرية حول الخصوصية، والمساءلة، والتمييز، وحق الإنسان في اتخاذ القرار. إذ إن تدخل الآلة في مجالات كانت حكراً على الإنسان يطرح ضرورة تحديد من يتحمّل المسؤولية عند وقوع الضرر أو الخطأ.
إذ باتت الخوارزميات اليوم قادرة على التأثير في قرارات مصيرية دون رقابة كافية، مما يفرض على الأنظمة القانونية إعادة النظر في مفاهيم العدالة التقليدية. فالقضاء والإدارة يجب أن يتكيّفا مع هذا الواقع الجديد عبر تطوير أدوات قانونية تضمن عدالة رقمية تراعي حقوق الأفراد وتمنع التحيّز التقني.
من الناحية القانونية، يُعدّ غياب إطارٍ تشريعي واضح ينظّم عمل الذكاء الاصطناعي أحد أكبر التحديات التي تواجه حقوق الإنسان في العصر الحديث. لأن القوانين التقليدية لم تُصمم للتعامل مع قرارات تصدر عن أنظمة ذكية قادرة على التعلم الذاتي واتخاذ القرار بشكل مستقل.
فبدون هذا الإطار، تبقى الحدود بين الاستخدام المشروع وغير المشروع للتقنية ضبابية، مما يفتح الباب أمام انتهاكاتٍ رقمية يصعب إثباتها أو معاقبتها. وهو ما يستدعي تعزيز الشفافية في تصميم الأنظمة الذكية، وتكريس مبدأ الحق في معرفة كيفية معالجة البيانات الشخصية.
فحين تتخذ الخوارزميات قراراتٍ تمسّ حياة الأفراد، كقبول طلب وظيفة أو منح قرض أو حتى تقييم سلوك، يجب أن يكون هناك قانونٌ يضمن الشفافية، ويحدد المسؤولية بوضوح، ويمنع الانتهاكات الرقمية التي قد تُمارس خلف واجهةٍ تقنيةٍ معقدة. فالمساءلة القانونية هنا ليست ترفاً بل ضمانة أساسية لعدم تحوّل التقنية إلى سلطةٍ خفية لا تخضع للرقابة.
لأن العدالة لا تتحقق إلّا بمعرفة من يتحكم بالبيانات وكيف تُستخدم، فالمساءلة القانونية هي جوهر الثقة بين المواطن والمؤسسات. ومن دون هذه الثقة، يفقد النظام القانوني شرعيته وتضعف العلاقة بين الفرد والدولة في البيئة الرقمية.
وتؤكد المبادئ الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أنّ لكل إنسان الحق في الكرامة والحرية والمساواة أمام القانون، وهي مبادئ يجب أن تبقى حاضرةً عند تصميم وتطبيق الأنظمة الذكية. فهذه المبادئ تمثل مرجعاً عالمياً يوجّه التشريعات الوطنية ويضمن أن تكون التكنولوجيا في خدمة الإنسان لا ضده.
فإدماج هذه المبادئ في البرمجة والسياسات التقنية يضمن أن تبقى التكنولوجيا خادمة للإنسان لا متحكمة فيه. كما يرسّخ مفهوم «الأخلاقيات الرقمية» التي باتت تشكّل جزءاً لا يتجزأ من منظومة حماية الحقوق والحريات.
كما أن على المشرّع أن يوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الأفراد من المخاطر الخفية للذكاء الاصطناعي، خصوصاً في مجالات الأمن، والعدالة، والعمل. فالمشرع مطالب اليوم بأن يكون متقدماً في رؤيته، واضعاً الإنسان في صلب العملية القانونية والتنظيمية للتقنيات الجديدة.
فالمجتمع الذي يُغفل جانب الحماية باسم التطور يفقد توازنه، لأنّ التقدم الحقيقي لا يُقاس بقدرة الآلة بل بقدرة القانون على صون الإنسان. ولهذا فإن التنمية القانونية يجب أن ترافق التطور التقني حتى لا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى خطر اجتماعي غير محسوب.
وختاماً، فإنّ المستقبل الرقمي العادل لا يتحقق بالتقنية وحدها، بل بسيادة القانون الذي يصون الإنسان في وجه أي خوارزمية قد تُغري بالتحكّم في مصيره. فالمستقبل الآمن هو الذي يضع الضمير الإنساني فوق المنطق الآلي ويجعل القانون الحاكم الأعلى في كل بيئة رقمية.
فالقانون هو الضمانة الأخيرة لحقوق الإنسان، والدرع الذي يحفظ كرامته في عالمٍ يتبدل بسرعة الضوء، لأنّ الإنسان يجب أن يبقى الغاية لا الوسيلة. وبهذا يبقى جوهر الرسالة الحقوقية أن التكنولوجيا مهما بلغت من تطوّر، فإنّها لا تكتسب شرعيتها إلّا من احترامها للإنسان الذي أوجدها.
* باحثة قانونية في قضايا حقوق الإنسان