د. غازي قانصو
ليست الأخوّة في الإسلام حالة شكلية، ولا عاطفةً عابرة، بل هي عهدٌ ثقيل، ومسؤوليةٌ أخلاقية تُختبر في المواقف قبل الكلمات. إنها ميزانٌ دقيق، تُوزن به القلوب، وتُكشف به الضمائر.
وقد وضع النبي (صلى االله عليه وسلم) قاعدتها المُحكَمة بقوله: «من لا يعرف لأخيه مثل ما يعرف له فليس بأخيه».
فالأخوّة الحقّة أن ترى في أخيك امتداداً لذاتك، تمنحه من الاعتبار والكرامة ما تمنحه لنفسك، لا تُنقصه حقًّا، ولا تُضمر له ما تكره أن يُضمر لك.
حرمة المؤمن: مقامٌ لا يُنتهك
في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، تبلغ كرامة المؤمن حدًّا لا يُدركه إلّا من صفا قلبه، إذ يقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام:
«أبى الله أن يُظنَّ بالمؤمن إلّا خيراً»، فحُسن الظن ليس خُلُقاً ثانوياً، بل هو أصل العلاقة الإيمانية، وبه تُصان القلوب من التلوّث، وتُحمى الروابط من التصدّع. ثم يرتقي المعنى إلى ذروة الهيبة، في قوله عليه السلام: «كسر عظم المؤمن ميتاً ككسره حيًّا».
إنّها إشارةٌ بالِغَةٌ إلى أن كرامةَ الإنسانِ لا تُمسّ، فرداً كانَ أو جماعةً، لا في حياة، ولا بعد ممات، فكيف بمن تُهدر كرامتُهُ بكلمةٍ جارحة، أو مَوقفٍ خاذل؟!
الخذلان: السقوطٌ في لحظة الاختبار
ومن أشدّ ما يُبتلى به الإنسان، أن يُمتحن في نصرة أخيه، فيكون قادراً، ثم يتخلّى.
يقول الإمام الصادق عليه السلام: «ما من مؤمن يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته، إلّا خذله الله في الدنيا والآخرة».
هنا لا مجال للحياد، ولا مساحة للتردّد، فإمّا أن تكون في صفّ الحق، أو تكون شاهداً على ضياعه. إنها لحظةٌ فاصلة، يُكتب فيها مصير المروءة، أو يُمحى.
قضاء الحوائج: نورٌ يمتدّ إلى الآخرة
ويبلغ التحذير مداه في الحديث الآخر: «أيما مؤمن سأل أخاه حاجةً وهو يقدر على قضائها فردّه بها، سلّط الله عليه شجاعاً في قبره ينهش أصابعه». إنه تصويرٌ يهزّ الوجدان، ليُنبّه إلى أن الإعراض، عن حاجة الناس، لا سيما الاخوة الحقيقيين، ليس أمراً هيّناً، بل هو تقصيرٌ يمتدّ أثره إلى ما بعد الحياة الدنيا. وفي المقابل، فإن قضاء الحاجات: نورٌ يسري في طرقات الحياةِ وأمانٌ يظلِّلُ صاحبَه في القبر، وجسرٌ ممتدّ إلى رحمة الله تعالى.
خِتاماً، إن الأخوّة الإيمانية ليست ميراثاً يُورث، بل سلوكٌ يُكتسب، واختبارٌ يتكرّر كل يوم.
هي أن يكون المرءُ: منصفاً في شعوره، رحيماً في حكمه، حاضراً في شدائد غيره. لا سيما في زمنٍ تتكاثر فيه المصالح، وتقلّ فيه المواقف، يبقى ميزان الأخوّة هو الفارق بين قلبٍ حيّ، وآخر فيه شُبهةُ.
فكن، يا صاحِ، عوناً لا عبئاً، وسنداً لا خاذلاً، واجعل من حضورك في حياة الآخرين طمأنينةً لا خيبة فبذلك تُحفظ الأخوّة، ويُكتب لك عند الله مقامٌ لا يزول.
والحمدُ للّه رب العالمين.