بيروت - لبنان

اخر الأخبار

20 نيسان 2026 12:00ص الأمم التي أدركت معنى الدولة

حجم الخط
ليست قوة الدول في صخب شعاراتها، ولا في صور قادتها، ولا في ارتفاع أصوات أنصارها، بل في عمق بنيانها الداخلي؛ في تلك المؤسسات التي تعمل حين يضطرب كل شيء، وتبقى حين يسقط كل شيء، وتستمر حين يغيب الرجال وتتبدل الوجوه. فالدولة الحقيقية لا تُختزل في شخص، ولا تُختصر في زعيم، ولا تقوم على لحظة عاطفية عابرة، بل تُبنى على نظام متماسك من المؤسسات، لكل منها دورها، ولكل منها حدودها، ولكل منها مسؤوليتها في حماية الكيان العام وصون استمراريته.
إن الأمم التي أدركت معنى الدولة، جعلت السلطة وظيفة لا غنيمة، وجعلت المؤسسة أصلًا لا تابعًا، وجعلت القانون مرجعية فوق الأفراد لا أداة في أيديهم. ولهذا، حين تتعرض هذه الدول للأزمات الكبرى، أو للحروب، أو لاغتيال قادتها، أو لهزات الاقتصاد والسياسة، فإنها لا تنهار مع أول صدمة، لأنها لا تستند إلى رأس واحد إذا سقط سقط معه الجسد، بل إلى شبكة من الأعمدة المتساندة، إذا تصدع عمود منها حملت البقية العبء، وحفظت البناء من الانهيار. تقدم الإمارات العربية المتحدة نموذجًا متقدماً في معنى الدولة الحديثة الواثقة. فعندما تتعرض المنطقة للتوترات، أو تلوح الأخطار في الإقليم، يبقى المواطن والمقيم على السواء مطمئنًا إلى أن خلفه دولة تعرف ماذا تفعل، ومؤسسات تعرف كيف تتحرك، وقيادة تمتلك أدوات الحماية والردع والإدارة. الشعور بالأمان في الدول القوية لا يصنعه الخطاب، بل تصنعه الثقة المتراكمة بين الإنسان والدولة؛ حين يعرف الفرد أن هناك جيشًا يحمي، وأجهزة تسهر، ومؤسسات تستبق الخطر وتحتويه، ونظامًا لا يترك الناس فرائس للقلق والفوضى. وهذا هو الفارق الجوهري بين الدولة بوصفها حقيقة، والدولة بوصفها اسمًا فقط. ففي الدول المؤسسة جيدًا، لا يعيش الناس على أعصابهم عند كل أزمة، ولا يتحول كل توتر إقليمي إلى هلع داخلي، لأنهم يعرفون أن الدولة حاضرة قبل الخطر وأثناءه وبعده. أما حين تضعف الدولة، يصبح المواطن وحيدًا أمام المجهول، ويصبح الخوف هو المؤسسة الأكثر انتظامًا.
ومن هذا الباب نفهم مأساة لبنان، حيث لم تكن المشكلة يومًا في غياب الطاقات أو نقص الكفاءات أو ضعف المجتمع، بل في عجز النظام عن إنتاج دولة مؤسسات فعلية تحتكر القرار العام وتحمي الجميع على قدم المساواة. لذلك، عند كل تهديد كبير، يشعر اللبناني أن الخطر لا يواجه حدود بلده فقط، بل يطرق باب بيته مباشرة. يشعر بالخوف، لأنه يعرف أن العدو غادر، ويعرف في الوقت نفسه أن الدولة التي يفترض أن تحميه ليست بالتماسك الكافي الذي يبدد هذا الخوف.
لقد أدرك خصوم المنطقة منذ زمن أن تدمير الجيوش وحده لا يكفي، وأن ضرب المدن وحده لا يحسم المعارك، وأن الطريق الأقصر لإضعاف أي أمة هو إنهاك مؤسساتها، وتشويه ثقة الناس بها، وإبقاء الدولة عاجزة عن أن تصبح دولة. فالدولة الضعيفة مؤسساتيًا أسهل اختراقًا، وأقل قدرة على الردع، وأكثر استعدادًا للارتباك عند كل منعطف. إن السؤال الحقيقي الذي يجب أن تطرحه الشعوب على نفسها ليس: من يحكم اليوم؟ بل: ماذا يبقى غدًا إذا غاب الحاكم؟ هل تبقى دولة تعمل، أم ينهار كل شيء مع غياب الفرد؟ هنا يظهر الفرق بين وطن بُني على المؤسسات، ووطن عُلّق على الأشخاص. فالدول لا تسقط حين يُقتل قائد، ولا حين تُقصف منشأة، ولا حين تُحاصر حدود، بل تسقط حين تموت مؤسساتها. وإذا كانت الأمم تريد النجاة، فلا طريق لها إلا ببناء دولة يكون فيها القانون أقوى من الجميع، والمؤسسة أبقى من الجميع، والوطن أكبر من الجميع. وحين تتحقق هذه المعادلة، لا يعود الناس يسألون من يحميهم، لأنهم يعرفون أن الدولة نفسها هي الحماية.
صباحكم وعي..

خلود وتار قاسم