بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 نيسان 2026 12:20ص المفاوضات بمواجهة منطق الإزدواجية..

حجم الخط
إحتمال الإعلان عن وقف إطلاق النار، بعد أقل من أربعٍ وعشرين ساعة على انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات في واشنطن، لن يكون مجرد تطور ميداني عابر، بل إشارة سياسية مدوّية إلى أن باباً جديداً فُتح في جدار الأزمة اللبنانية السميك. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تتقدم لغة المفاوضات على إيقاع النار، ويصبح وقف القتال نتيجة مباشرة لمسار تفاوضي، لا مجرد هدنة هشة بانتظار جولة تصعيد جديدة.
هذه النتيجة السريعة لا تعني أن الطريق أصبح معبّداً. على العكس، ما تحقق هو الخطوة الأولى في مسار طويل ومعقد، تتداخل فيه الحسابات الإقليمية مع التعقيدات الداخلية. لكن الأكيد أن هذا المسار، رغم صعوبته، يبقى الخيار الأقل كلفة والأكثر جدوى للحفاظ على حقوق لبنان، سواء لجهة إنهاء الاحتلال، أو تثبيت حدوده، أو إعادة الاستقرار إلى الجنوب الذي دفع أثماناً باهظة خلال عقدين من الاضطرابات والحروب المدمرة.
التحدي المباشر اليوم لا يقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل يتعداه إلى استثماره سريعاً في إطلاق دينامية دعم دولي وعربي لإعادة الإعمار. عودة الأهالي إلى قراهم لا يمكن أن تتحقق بالشعارات، بل تحتاج إلى بنى تحتية، وتعويضات، وخطة إنقاذ حقيقية تعيد الحياة إلى مناطق مدمّرة. الجنوب المنكوب ليس وحده في هذا المشهد؛ فالشمال أيضاً يرزح تحت إهمال مزمن، ما يجعل أي خطة إنقاذ جدية مطالبة بأن تكون شاملة، لا انتقائية.
لم يكن خافياً أن ما تحقق حتى الآن هو نتيجة فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني بعد موافقة طهران على هدنة الأسبوعين دون أن يشمل وقف النار «جبهة الإسناد» في لبنان. وما قابل كل ذلك من دعم عربي وأوروبي للبنان، والذي تجلّى في التحرك السعودي السريع لتطويق الفتنة في الشارع من جهة، وتسريع ترتيبات جلسة التفاوض الأولى في واشنطن، وما تشهده الرياض اليوم من إجتماع وزيرالخارجية الأمير فيصل بن فرحان مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ووزير الخارجية الإيرانية عباس عرقجي، للبحث في تسريع وقف النار في لبنان، وتعزيز أجواء هدنة الأسبوعين، ومعالجة العقد التي تؤخر إستئناف المحادثات المباشرة بين واشنطن وطهران.
في موازاة ذلك، تبرز العقدة الأكثر حساسية: مستقبل سلاح حزب الله ودوره. القرار الرسمي بحصرية السلاح بيد الدولة واستعادة قرار الحرب والسلم يضع الحزب أمام مفترق حاسم. الاستمرار في منطق الازدواجية لم يعد قابلاً للحياة في ظل مسار تفاوضي مفتوح، كما أن الرهان على تعطيل هذا المسار يحمل مخاطر عزل لبنان مجدداً وإعادته إلى دوامة العنف. الخيار الواقعي الوحيد يتمثل في انتقال تدريجي نحو العمل السياسي الكامل، بما ينسجم مع منطق الدولة لا على حسابها.
هنا تحديداً تتكثف المخاطر. أي تعثر في إدارة هذا التحول قد يعيد تفجير التوترات الداخلية، ويقوّض الثقة الدولية التي بدأت تتشكل. كما أن الجانب الإسرائيلي سيكون في وضع المشكك بقدرة الدولة اللبنانية، وفي نفس الوقت بنوايا حزب الله، ما يعني أن التفاوض سيكون اختبار قوة وصبر في آن واحد.