بيروت - لبنان

اخر الأخبار

حكايا الناس

11 حزيران 2026 12:00ص لبنان: وطنٌ لا يزرع الشوك... لكنه يحصده

حجم الخط
محمد جارودي

«تعبنا»... كلمة صغيرة في حجمها، ثقيلة في معناها، تختصر وجع وطن بأكمله. كلمة تختزن عقوداً من الصبر المُرّ، والانتظار الطويل، والخيبات المتكررة. تعب اللبنانيون من الأزمات المتلاحقة، من الحروب التي لم يختاروها، ومن الانهيارات الاقتصادية والسياسية التي حوّلت أحلامهم إلى رماد، ودفعت عشرات الآلاف من أبنائهم وبناتهم إلى الهجرة بحثاً عن كرامة افتقدوها في وطنهم الأم.
هذا الشعب لم يطلب يوماً أن يتحوّل وطنه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، أو منصة لصراعات الآخرين. كان يريد فقط أن يعيش بكرامة، أن يبني بيته ومستقبله على أرضه، أن يزرع ويحصد ويُعلّم أولاده. لكنه وجد نفسه مراراً وتكراراً يدفع أثمان قرارات لم يشارك في اتخاذها، ويتحمّل نتائج نزاعات تتجاوز إرادته وقدراته.
اللبناني صانع حياة بفطرته. يزرع الأرض، يبني المؤسسات، ينشر العلم والثقافة والإبداع حيثما حلّ. هو شعب لا يزرع الشوك، بل يحب الحياة ويتقن فنونها. لكنه منذ عقود يُجبر على حصاد الشوك والرماد معاً. ومع ذلك، لم يفقد إيمانه، ولم يتخلَّ عن تمسّكه بالأمل. لأن الأوطان لا تُبنى باليأس، وفي قلب هذا الشعب ما يكفي من الإرادة والصمود ليواصل المسيرة رغم كل الجراح.
كأن قدر لبنان أن يظل مشدوداً بين قوتين متضادتين: عدوان خارجي يهدّد أرضه وأمنه، وتجاذبات إقليمية تسعى إلى استثمار أزماته وساحته. وبين هذا وذاك، يضيع صوت المواطن العادي الذي لا يريد أن يكون جندياً في معارك الآخرين، ولا ورقة تفاوض على موائد المصالح الدولية. يريد فقط دولةً تملك قرارها السيادي، وسيادةً حقيقية لا تُستباح، ومستقبلاً لا يُرهن لموازين قوى خارجية.
وحين يسمع اللبناني تصريحات تؤكد أن الدولة هي المرجعية الوحيدة، وأن السيادة ليست شعاراً بل حقاً وواجباً، يشعر ببعض الطمأنينة. لكنه بات يدرك جيداً أن الأقوال وحدها لا تكفي. المواطن الذي خسر مدخرات عمره، وعانى من الانهيار المالي غير المسبوق، وشهد هجرة أحبابه، يحتاج إلى دولة أفعال لا دولة خطابات. دولة تحميه، وتدافع عن مصالحه، وتفرض سلطتها على كامل أراضيها دون استثناء. في المقابل، تستمر الحسابات السياسية الضيقة والتجاذبات الطائفية والحزبية، فيما يبقى المواطن الحلقة الأضعف. يواجه الغلاء الفاحش، والبطالة المستشرية، وتراجع الخدمات الأساسية، وانعدام الاستقرار الأمني والسياسي. ويُطلب منه في كل مرة المزيد من الصبر. لكن الصبر، مهما كان جميلاً، ليس مورداً لا ينضب.
لقد حمل اللبناني وطنه على كتفيه في أصعب الظروف. دعم اقتصاده بتحويلات المغتربين، صمد في وجه الحروب المتكررة، وتحمّل ما عجزت عنه مؤسسات الدولة. لكن السؤال الذي يزداد إلحاحاً يوماً بعد يوم: من يحمل هذا المواطن؟ ومن يحمي حقه في حياة آمنة وكريمة؟
إلى متى سيبقى لبنان رهينة صراعات لا تشبه تطلّعات شعبه؟ وإلى متى يدفع الأبرياء ثمن خيارات لا يشاركون في اتخاذها؟ أسئلة تفرضها وقائع مؤلمة، فيما يزداد القلق على وطن يستحق أفضل بكثير مما يعيشه اليوم.
ومع ذلك، لا يزال الأمل قائماً. فلبنان الذي صمد أمام الحروب والأزمات والكوارث قادر على النهوض من جديد، إذا توفرت الإرادة الحقيقية. نعم، تعبنا، لكننا ما زلنا نؤمن بأن الله لا يترك الأوطان التي يتمسّك أهلها بالحق. قد يطول الليل، وقد تشتد المحن، لكن وعد الله باقٍ:
{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}.
ومن هذا اليقين نستمدّ رجائنا بأن يعود لبنان وطناً لأهله، حرّاً سيداً مستقلاً، لا ساحةً لصراعات الآخرين، ولا حصاداً دائماً لأشواك لم يزرعها.
أخبار ذات صلة