كان الليل يهبط بهدوء على المدينة، حين غفا كريم على أملٍ صغير خبأه في قلبه منذ سنوات. وفي حلمه، وجد نفسه واقفاً على تلةٍ تطل على بلدته الجنوبية التي أحبها منذ طفولته. كانت البيوت التي عرفها مهدمة، والطرقات التي لعب فيها صامتة تحت آثار الدمار، فقد مرّ عليها العدو وترك وراءه الخراب.
شعر كريم بالحزن وهو يتجول بين الأزقة، لكنه لم يرَ اليأس في عيون الناس الذين عادوا إلى المكان. كانوا يزيلون الركام، ويغرسون الأشجار، ويعيدون فتح الأبواب المكسورة. اقترب من شيخٍ يجلس أمام منزله المدمر وسأله: «كيف تستطيعون البدء من جديد بعد كل هذا؟»
ابتسم الشيخ وقال: «لأننا تعلمنا من الماضي. كم مرة ظن العدو أنه انتصر؟ وكم مرة عاد أهل هذه الأرض وصمدوا حتى دحروا الاحتلال؟»
تأمل كريم كلامه، فرأى في الحلم مشاهد من سنوات مضت؛ رجالاً ونساءً يتمسكون بأرضهم، ومقاومين يدافعون عن قراهم بإيمانٍ وعزيمة، حتى تحقق التحرير وعاد الناس إلى بيوتهم مرفوعي الرأس.
وفجأة بدأت الشمس تشرق فوق البلدة. أخذ الضوء يلامس الجدران المهدمة، فتحولت في نظره إلى بيوت تُبنى من جديد. سمع أصوات الأطفال تعود إلى الساحات، ورأى الأعلام ترفرف فوق التلال.
استيقظ كريم من نومه وقلبه مملوء بالأمل. أدرك أن الدمار مهما كان كبيراً لا يستطيع أن يهزم إرادة الناس، وأن الأرض التي شهدت انتصارات الأمس قادرة على أن تشهد انتصارات الغد، ما دام فيها من يؤمن بحقها ويتمسك بها ويضحي من أجل حريتها وكرامتها.
وفي طريق عودته داخل الحلم، لمح كريم براعم خضراء تشق التراب بين الحجارة. عندها أيقن أن الحياة تعرف طريقها دائماً، وأن الأمل الذي حفظته القلوب سيزهر من جديد مهما طال زمن المحنة والانتظار.