إذا كانت ستتواصل هذه الإستهانة مِن جانب بنيامين نتنياهو بلبنان إعتداءات متواصلة حيث يبغي العدوان وتهجيراً بصيغة الإذلال، فإنه لا يُستبعد أن يصحو اللبنانيون وبوجه خاص بيارتة الوطن وإخوانهم النازحون الصابرون على ضيْم النزح بفعل الصواريخ البنيامينية تُدمر الأبنية على مَن فيها إذا كان ساكنوها لن ينفِّذوا اللفتة البنيامينية الخبيثة المتمثلة بإنذار السكان الآمنين المغادرة لأن الصواريخ جاهزة للعدوان عليهم... إنه لا يُستبعَد أن يصحو الجميع الذين تقض الجولات المسيَّراتية اليومية سماء بيروت المضاجع، وقد باتت إسرائيل في قلب العاصمة بين «وادي أبو جميل» الذي طالما نَعُم اليهود قبْل نكبة 1948 به على مدى سنوات، تمدداً إلى «باب إدريس» فإلى «شارع المصارف» وصولاً إلى ساحة الرئيس المظلوم رياض الصلح رحمة الله عليه، ثم بعد ذلك يبدأ التمدد في إتجاه الأسواق التجارية التي أرادها الرئيس المغدور رفيق الحريري رحمة الله عليه أحلى وأرقى أسواق.
وقد يبدو ما نُحبِّره هنا نوعاً من الخيال، لكن تطلعات الحركة الصهيونية كانت على أساس التمدد والتخلص من أي عربي إذا أمكن ذلك عملياً أو إخضاعاً. ثم إن الذي حدَث في غزة ثم يحدُث الآن في مناطق كثيرة مِن جنوب الوطن مِن إجتياحات وإحتلالات وتهجير وإعتداءات لا سابقة لها، ليس سوى دلائل على ما نتوقعه للمخطط الذي يتم تنفيذه وتحت ذريعة أن إسرائيل نتنياهو وبن غفير شريكه في الحقد على كل مَن لا يطاطىء لهما الرأس تطبيعاً للعلاقات أو في الحد الأدنى وعد بالتطبيع في وقت مناسب.
يتذرع المعتدون المتطلعون إلى التوسع إحتلالاً لأرض عربية في الجولان ومناطق مِن لبنان، بأن الخشية هي مِن «حزب االله» وما يطْلقه على إسرائيل المحتلة مِن قذائف صاروخية وما يرسله من مُسيَّرات. ولو كان ما يفعله المعتدي البنياميني يتصل بهذه الذريعة فإن أصول المواجهة العسكرية هي الرد المماثل، أي إستهداف المواقع التي تنطلق منها الصواريخ والمسيَّرات وليس إستهداف مبان ومستشفيات ومراكز رعاية ومدارس وأسواق في معظم البلدات الجنوبية والبقاعية والبعلبكية – الهرملية.
لو اقتصر الأمر على إعتماد قاعدة الرد بالمثل، لكان ربما أمكن بالتفاوض المنزَّه عن الأحقاد والأطماع إيجاد صيغة تفاهُم وبحيث لا يقتصر راعي التفاوض على جهة دولية واحدة هي الإدارة الترمبية كونها شريكة إسرائيل في ما حدَث وما زال من إعتداءات. وقد يقال إن تلك الإدارة لا تشارك إسرائيل في العدوان على لبنان كما الذي مارستْه إزاء إيران حيث تَلازَم القصف الأميركي مع القصف الإسرائيلي لعشرات المواقع والأهداف الحساسة والمراكز التي تغذي الشعب بما تنتجه، هذا فضلاً عن إغتيال رأس الدولة الشيخ الخامنئي (الأب) وعشرات الجنرالات وعلى نحو ما سبق حدوثه في لبنان بدءاً بالأمين العام ﻟ«حزب االله» حسن نصرالله وكوكبة من القادة العسكريين والمدنيين.
لم تلتزم إسرائيل البنيامينية بأصول المواجهة وتحت سمْع الشريك الأميركي وبصره، وكذلك الموقف الحازم الدولي الخجول والمخجل في الوقت نفسه، يقابله الموقف العربي الصامت صمت أبو الهول، وها هي ترتكب في لبنان ما شاء لها الإرتكاب غير آخذة في الإعتبار أن ما ترتكبه سيؤسس مع مرور زمن ليس بالبعيد جيلاً من المقاومة في غزة ولبنان قوامه فتية وفتيات عايشوا أهوال العدوان البنياميني عليهم بما في ذلك الرقص اﻟبنغفيري أمام المسجد الأقصى. وهذا الجيل المفترَض سيكون أكثر إصراراً على وضْع حد للباطل الإسرائيلي وبما يرضي هذا الإصرار كوكبات الذين إغتيلوا مع أطفالهم وأوجاع الذين إستُشهدوا وأوجاع الذين شيَّدوا الديار فدمرها العدوان البنياميني وكذلك محنة الذين نزحوا مكرَهين من بيوتهم وبلداتهم.
هذا الذي ما زال يحدُث بات يستوجب عقْد قمة عربية – إسلامية إستثنائية بروحية القمة الروحية (التي عُقدت الثلاثاء 2. 6. 2026 في مقر الطائفة الدرزية) تتخذ مِن الموقف إزاء الصديق الأميركي وإستمرار الإستهانة البنيامينية بالأمتين معاً. وقد يقول قوَّالون، منذ نصف قرن يتوالى إنعقاد قمم عربية وإسلامية، ومع ذلك يتزايد العدوان الإسرائيلي، ومِن دون أي موقف حاسم. لكن قمة عربية – إسلامية تحدد موقفاً مبدئياً من الصديق الأميركي بحيث لا يكون صديقاً ساهياً عن العرب والمسلمين حليفاً حربياً لإسرائيل ربما تبدَّل ما هو حاصل. قمة واضحة المقاصد والنوايا تستعمل الدول التي أبرمت إتفاقيات سلام وتطبيع مع إسرائيل هذه الورقة وذلك بتعليق الإتفاقيات والتطبيع وليس الإلغاء. قمة يعربية إسلامية نخوية لا تنادي بالحرب وإنما بتعطيل المخاوف منها وهذا يكون بخطوة إيرانية مقابل خطوة من إسرائيل ويتبنى المجتمع الدولي الخطوتين. أما الخطوة الإيرانية فإلتزام الدولة بعدم المضي في إنتاج سلاح نووي، فيما الخطوة الإسرائيلية هي إفراغ الدولة من السلاح النووي، والتسليم بقيام دولة فلسطينية على نحو ما تضمنتْه صيغة التسوية الموضوعية في القمة العربية في بيروت عام 2002 والتي تستوجب دعْم الأمتين معاً ومعهما التسليم الأميركي بالحل الذي لا حل غيره.
في حال حدثت رجاحة العقل وترسخت مقومات التعقل لا تعود إسرائيل تحت بعض غض النظر الأميركي، تواصل تنويع العدوان على لبنان على نحو ما أشرنا إليه في سطور سابقة مع شهية إقتحام العاصمة بيروت أو معاودة «الأربعاء الأسود» (8 نيسان 2026) دافعة النازحين وبعض البيارتة نحو البحر لكي ينتهوا غرقى ومستملِكة «وادي أبو جميل» عرينها التجاري في زمن سماحة اللبنانيين لضيوفهم.
لا قدَّر الله حدوث ذلك.