العقل المروحن أو الروح المتعقلة، قادر وحده على قراءة السحب وما في شفائفها، فتجيء الثورة البيضاء التي هو بدؤها، وفق قرائته السحبية لها تماما. انه المبتدأ الثوري لخبر ثوري يتلاحم، والمفكرون في طليعة هذا الكفاح، إلى أن يتحقق النصر، النصر على الذات أولا، بكر تاريخنا الموحّد، بقيادة قائد يطلع من صفوف الشعب ليقود شعبه إلى الظفر والازدهار!
ظروفنا، مؤشرها إلى الأردأ، إذا لم نتّحد على اختلافنا الحتمي المثمر، إذا لم نستمسك بالعروة الوثقى تضامنا وطنيا، في وجه أعتى تحدّيات نمرّ بها ويمرّ بها العالم، لكن ربان سفينة النضال يعطي ثقة واثقة في نضاله، وكذلك في نضالنا. أن يكون كل مواطن خفيرا هو التحدّي الأكبر، في هدي نفاذ بصيرة المسؤول الأول. ترى المستقبل في ضوء الآتي، لا في جهمة الراهن، تقرأ بصيرته النافذة، في سحب السماء لا في أديم التراب، وتؤمن إيماناً راسخا أن عنت السرى لا يخيف إذا ادلهمّ الليل، وأن طول المسيرة لا تبعث الونى في السائر، وأن كفّة ميزان التاريخ لن تظل إلى خلل في التوازن، فمصيرها، مهما طال الزمن أو تطاول، إلى استقامة وتوازن، والى رجحان كفّة الشعوب، وشيلان في كفّة أعدائها، وهذا الدرس الذي ينبغي استذكاره، والعمل في ضوئه، والاسترشاد بمنارته، ودورنا، كحملة أقلام، أن نكون البدء الثوري، لنبلغ الظفر الثوري المنشود، لا أن نكون الختام، لبدء يشرع به غيرنا، ونبقى نحن في القعدة، عاجزين عن الاستلهام حين الإلهام ينادينا، وبعيدين عن إطلالة الركب، حين الركب يغذّ السير ونحن نلهث في المؤخرة!
على شعوبنا أن تسترشد بمن تنكب سيفه، واستسقى قلمنا، وأخذ بها في الطريق المستقيم، وجعل من بيروتنا عاصمة للإشعاع الفكري، كما هي عاصمة للإشعاع النضالي!
نحن في خدمة الحقيقة وخدمة القناعة، عندما تنهض على أساس من يقين، بان كل شيء إلى زوال، ما عدا الكلمة الصادقة، في الموضع الصادق، فهي قبل تبعاتها، خالدة، وبها يتخلّد الذكر، وتتخلّد المكرمات، وتكون النعمى توشية أنيقة، للفظ أنيق، به تكتب السيرة، وبالجرأة تتجمّل، حيث لا جمال إلّا جمال العدالة، نجمة أبعد، وأسطع من كل النجوم.