بصرف النظر عن النتائج التي ستسفر عنها الجولة الأخيرة من المفاوضات اللبنانية ــ الإسرائيلية في واشنطن، فإن الأولوية الوطنية الملحّة تبقى في كيفية تثبيت وقف إطلاق النار على كامل الأراضي اللبنانية، وتحويله من تفاهم هش قابل للاهتزاز في أي لحظة، إلى واقع مستدام يفتح الباب أمام استعادة الأمن والاستقرار وعودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم الحدودية.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن أي اتفاق لا يستند إلى التزامات واضحة من جميع الأطراف المعنية يبقى معرضاً للانهيار. لذلك فإن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب أولاً قيام إسرائيل بتحمل مسؤولياتها الكاملة كقوة احتلال ما زالت تسيطر على عدد من المواقع والنقاط داخل الأراضي اللبنانية، وتواصل تنفيذ غارات وعمليات عسكرية متفرقة تؤدي إلى تقويض مناخات التهدئة وإبقاء حالة التوتر قائمة.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب من الجانب الإسرائيلي الالتزام الصارم بوقف جميع الأعمال العسكرية، ووقف الخروقات الجوية والبرية والبحرية، والانتقال إلى تنفيذ انسحاب تدريجي ومنظم من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها، وفق جدول زمني واضح ومتفق عليه. كما أن على إسرائيل تسهيل عودة السكان إلى مناطقهم وعدم استهداف البنية التحتية المدنية، أو عرقلة جهود إعادة الإعمار، لأن أي محاولة لفرض وقائع جديدة بالقوة ستؤدي إلى إعادة إنتاج أسباب الصراع بدلاً من معالجتها.
في المقابل، لا يمكن تجاهل المسؤولية الملقاة على عاتق حزب الله في هذه المرحلة الدقيقة. فالحرب الطويلة وما رافقها من خسائر بشرية ومادية هائلة أوجدت واقعاً جديداً داخل البيئة الجنوبية واللبنانية عموماً، حيث باتت الأولوية لدى معظم المواطنين استعادة الأمن والاستقرار وإعادة بناء ما تهدم، بدلاً من البقاء في دوامة المواجهات المفتوحة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة واقعية تتيح للدولة اللبنانية فرض سيادتها كاملة، وممارسة دورها الشرعي في إدارة الأمن على الحدود الجنوبية، عبر الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، بما ينسجم مع الالتزامات الدولية ومتطلبات تثبيت وقف النار. كما أن نجاح أي تفاهم مستقبلي يستدعي من الحزب توفير كل عناصر التعاون اللازمة لتمكين الدولة من بسط سلطتها الفعلية ومنع أي أعمال قد تستخدم ذريعة لتجدد العمليات العسكرية.
إن عودة الأهالي إلى قراهم، حتى وإن كانت مدمرة، تمثل رسالة تمسك بالأرض والحياة في آن واحد. غير أن هذه العودة تحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة، وإلى برنامج إعادة إعمار واسع النطاق يحظى بدعم عربي ودولي. وهذا الأمر لن يتحقق إلا إذا ترافقت الانسحابات الإسرائيلية مع تثبيت الهدوء الميداني، ومع التزام لبناني جامع بإعطاء الأولوية لمشروع الدولة أولاً وأخيراً.