بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 حزيران 2026 12:15ص دبلوماسية الكوابح الصلبة: كيف لجمت الرياض استباحة بيروت وهندست موقفها التفاوضي الموحّد؟

حجم الخط
شهدت الساحة اللبنانية خلال الأيام الماضية فصولاً من أعنف المواجهات العسكرية، حيث وضعت حكومة بنيامين نتنياهو العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية ضمن دائرة الاستهداف الناري الكثيف. وسط هذه الأجواء المشحونة بمخاوف دولية من تحويل العاصمة اللبنانية إلى «غزة ثانية» من حيث التدمير الكلي والهيكلي، برز حراك دبلوماسي سعودي كثيف خلف الكواليس. لم يكن هذا التحرك مجرد مسعى تقليدي للتهدئة، بل استراتيجية «توازن نفوذي» نجحت في فرض خطوط حمراء دولية، بالتوازي مع هندسة جبهة سياسية لبنانية داخلية موحّدة لخوض لقاءات واشنطن التفاوضية.

• معادلة بيروت والضغط الوازن عبر العواصم الكبرى

انطلقت الدبلوماسية السعودية في تعاملها مع الأزمة من قراءة استراتيجية صارمة وضعتها بثقلها أمام الإدارة الأميركية في واشنطن والعواصم الأوروبية الفاعلة مثل باريس. فحوى هذه الرؤية أن استباحة العاصمة بيروت وتدمير منشآتها السيادية وحواضرها المدنية والإدارية كالسراي الحكومي، ومجلس النواب، ومطار رفيق الحريري الدولي، يمثل تجاوزاً بنيوياً لن تتحمّله المنطقة، وسيؤدي حتماً إلى تقويض شامل لأي أفق للاستقرار الإقليمي أو مشاريع الشراكة الاقتصادية والجيوسياسية المستقبلية في الشرق الأوسط.
هذا الموقف انعكس بشكل مباشر في أروقة القرار ببلدان الغرب؛ إذ أشارت تقارير وتحليلات نشرتها وسائل إعلام أميركية بارزة مثل موقع «أكسيوس» (Axios) وصحيفة «واشنطن بوست» (The Washington Post) إلى أن الإدارة الأميركية، تحت وطأة الضغوط والرسائل الخليجية والعربية الحازمة التي قادتها الرياض، اضطرت إلى وضع «كوابح تفاوضية وضوابط صارمة» أمام جموح الخطط العسكرية لنتنياهو. وبحسب دوائر دبلوماسية متقاطعة، فإن الفترات التي شهدت تراجعاً وانكفاءً ملحوظاً في وتيرة الغارات على بيروت الإدارية وضاحيتها جاءت كترجمة فورية لاتصالات سعودية - أميركية رفيعة المستوى حذّرت من التداعيات الكارثية لتدمير العاصمة، التي كانت تُحسب بالدقائق.
ركّزت هذه الكوابح الأميركية، التي تحركت برافعة سعودية، بوضوح على منع استهداف المفاصل الحيوية والاقتصادية اللبنانية؛ حيث أبلغت الرياض صنّاع القرار في البيت الأبيض والخارجية الأميركية أن تدمير هذه البنية السيادية سيعني انهيار مفهوم الدولة في لبنان، وهو ما سيفتح الباب أمام فوضى عارمة لا يمكن السيطرة على ارتداداتها العابرة للحدود.
وقد اعتبرت الرياض أن استهداف العاصمة خط أحمر يهدّد الأمن والسلم الإقليميين بشكل مباشر، رابطةً مستقبل مسارات التهدئة الشاملة بالوقف الفوري للعدوان على المدنيين ومؤسسات الدولة.

• رعاية التوافق الداخلي وجسر الهوة بين بعبدا وعين التينة

بالتوازي مع الكبح السياسي الخارجي، رأت الرياض أن تحصين الموقف التفاوضي للبنان في عواصم القرار يتطلب جبهة سياسية داخلية متماسكة. من هنا، نشطت القنوات الدبلوماسية السعودية في بيروت لتقريب وجهات النظر وترسيخ العلاقة بين الرئاسات الدستورية الثلاث، وتحديداً بين قصر بعبدا (رئاسة الجمهورية)، وعين التينة (رئاسة مجلس النواب)، والسراي الحكومي (رئاسة مجلس الوزراء).
ركّزت الجهود السعودية على تفكيك التباينات السياسية التقليدية عبر مظلتين أساسيتين:
1. مظلة وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف): باعتبارها المرجعية الدستورية الجامعة والوحيدة الصالحة لحفظ توازن الدولة ومؤسساتها الشرعية وعروبتها، وهو القاسم المشترك الذي يمنع انزلاق البلاد نحو فراغ سياسي يستغله الخصوم.
2. التمسّك الصارم بالقرار الدولي 1701: كإطار وحيد ومقبول على الصعيدين المحلي والدولي لإنهاء العمليات العسكرية وبسط سيادة الدولة دون أي تعديلات تفرضها القوة الميدانية.
هذا التنسيق الحثيث أسهم في إنتاج مناخ من الثقة السياسية المتبادلة بين بعبدا وعين التينة، وتحديداً من خلال حثّ الرئاستين على ضرورة الخروج بموقف وطني موحّد يقطع الطريق على محاولات الفصل والتجزئة التي كانت تسعى إليها تل أبيب. وبدلاً من ظهور لبنان في مظهر الدولة المتنازعة، أثمرت هذه الجهود عن صياغة «ورقة تفاوضية لبنانية موحّدة» تعبّر عن الثوابت الوطنية العليا وتضع حدّاً للرهانات الخارجية.
هذا التناغم الداخلي المباغت فاجأ الدوائر الأمنية والسياسية الإسرائيلية التي كانت تراهن، بحسب تقارير مراكز الأبحاث الغربية، على تفكك النسيج السياسي اللبناني تحت وطأة الضغط العسكري الهائل والنزوح الواسع، وحرم تل أبيب من استغلال الانقسام الداخلي لفرض شروط ميدانية تمس السيادة أو تلتف على الصلاحيات الدستورية للمؤسسات الرسمية.

• «صك الشرعية العربية» في أروقة واشنطن

حين توجه المفاوض اللبناني الرسمي إلى لقاءات واشنطن لبحث ترتيبات وقف إطلاق النار وآليات المراقبة الدولية، لم يكن يمثل موقفاً فئوياً أو مجزأً، بل كان يستند إلى تفويض دستوري جامع ومحصن عربياً. الدبلوماسية السعودية منحت الموقف اللبناني ما يمكن تسميته بـ «صك الشرعية العربي والإسلامي الشامل» قبل بدء جولات النقاش في العاصمة الأميركية.
حيث أبلغت الرياض الجانب الأميركي والوسطاء الدوليين بشكل حاسم أن أي اتفاق لوقف العمليات العدائية لن يحظى بالقابلية للحياة أو الدعم الإقليمي ما لم يمرّ عبر المؤسسات الدستورية الشرعية للدولة اللبنانية، وبتوافق كامل بين رئاساتها الثلاث. هذا الدعم الوازن سلح الوفد اللبناني في واشنطن بأوراق قوة تفاوضية صلبة، وأجبر الأطراف الدولية على تبني الرؤية اللبنانية القانونية القائمة على التنفيذ الكامل وغير المجزأ للقرار 1701 دون فرض إملاءات عسكرية أو شروط تفاوضية مجحفة تتجاوز سيادة الدولة وسلطتها القانونية.
وقد أبرزت الصحافة الغربية في تحليلاتها كيف أن الموقف اللبناني الموحّد والمدعوم سعودياً أفشل محاولات حكومة نتنياهو لانتزاع تفويض حر بالحركة العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، حيث اصطدم المفاوضون بجدار صلب من الرفض اللبناني المستند إلى حاضنة عربية دولية وازنة، جعلت من المساس بمرجعية الدولة ومؤسساتها أمراً غير قابل للنقاش.

• ثمار دبلوماسية التوازن الدقيق

إن حماية بيروت وضاحيتها من سيناريوهات التدمير الشامل وتثبيت الموقف اللبناني السيادي لم يكونا وليدي الصدمة أو المصادفات السياسية، بل نتاج عملي لـ «دبلوماسية التوازن الدقيق» التي قادتها المملكة العربية السعودية. نجحت هذه الدبلوماسية في تحويل الكوابح السياسية الدولية والوحدة الدستورية الداخلية إلى درع واقٍ أحبط مخططات الاستباحة العسكرية، وثبّت مرجعية الدولة ومؤسساتها في أعقد اختبار تاريخي لها.