بيروت - لبنان

اخر الأخبار

1 تموز 2026 12:30ص لا إعمار خارج الدولة!

حجم الخط
في الوقت الذي ارتفعت فيه بعض الأصوات الداخلية الرافضة للاتفاق الإطاري الذي وقّعه لبنان مع إسرائيل الأسبوع الماضي في واشنطن برعاية أميركية، بقي موقف الدولة ثابتًا في التمسك بالمسار الدبلوماسي الذي يعزز سيادة لبنان ويعيد إليه زمام المبادرة في التفاوض من خلال مؤسساته الشرعية، بعيدًا عن منطق الوكلاء أو المحاور الإقليمية، كما حاولت إيران الإيحاء في خطابها السياسي. وفي موازاة ذلك، تؤكد الدولة استمرارها في بذل كل الجهود لاستقطاب الدعم الدولي اللازم للخروج من الأزمة الراهنة والوفاء بالتزاماتها تجاه أبناء الجنوب الذين دفعوا أثمانًا باهظة نتيجة الحرب.
ومهما ارتفع سقف الخطاب المعارض للاتفاق أو لفكرة التفاوض المباشر، فإن حساسية المرحلة لا تحتمل فتح جبهة انقسام داخلية جديدة تزيد الشرخ السياسي وتعطل فرص الإنقاذ. فلبنان يقف اليوم أمام استحقاقات مصيرية تتطلب أعلى درجات المسؤولية الوطنية والتكاتف بين مختلف القوى السياسية.
وتقع المسؤولية الأكبر في هذه المرحلة على عاتق الثنائي الشيعي عمومًا، ورئيس مجلس النواب نبيه بري خصوصًا، من خلال توفير الغطاء السياسي للحكومة ودعمها في استكمال مهامها. فقد أثبتت الحكومة، خلال الحرب الأخيرة، أنها تحملت مسؤولياتها رغم محدودية الإمكانات، فسارعت إلى افتتاح مراكز الإيواء لاستقبال الأعداد الكبيرة من النازحين، وعملت على تأمين الغذاء والرعاية الصحية والاحتياجات المعيشية الأساسية في ظروف استثنائية.
غير أن التحدي الأكبر اليوم يتمثل في تأمين التمويل اللازم لإعادة الإعمار، في ظل أوضاع اقتصادية ومالية محلية وإقليمية بالغة الصعوبة. ولن يكون بإمكان أي جهة خارج إطار الدولة القيام بهذا الدور أو استقطاب الدعم الدولي المطلوب، لأن المجتمع الدولي لا يتعامل إلا مع المؤسسات الشرعية بوصفها المرجعية الوحيدة لإدارة المساعدات وإعادة البناء.
وفي هذا الإطار، تكثفت الاتصالات والضغوط الدولية مع مراكز القرار اللبنانية لمنع أي محاولة لإضعاف الحكومة أو دفع البلاد نحو اضطرابات داخلية. فقد أثبتت التجربة الأخيرة أن السلاح الذي انفرد بقرار الحرب لم ينجح في حماية الأرض، بل أدى إلى خسارة الكثير من المكاسب التي تحققت بعد التحرير، وتسبب في تهجير مئات الآلاف من المواطنين، وفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية، كما أدخل جمهوره في عزلة إقليمية ودولية متزايدة، لا سيما بعد سقوط نظام بشار الأسد.
إن أي انقلاب على الدولة أو على الاتفاقيات التي أسهمت في تجنيب لبنان حربًا أشمل يعني عمليًا ترك البلاد وحيدة في مواجهة التحديات، مع تعريض سيادتها وأمنها واستقرارها لمزيد من الأخطار، وحرمانها من الدعم والاعتراف الدوليين اللذين لا يُمنحان إلا للدولة الشرعية ومؤسساتها.
ويبقى السؤال المطروح: هل سيواصل المجتمع الدولي اعتماد سياسة "الجزرة والعصا” في تعامله مع محور الممانعة في لبنان، عبر ربط أموال إعادة الإعمار بالإصلاحات والاستقرار، مقابل تشديد العقوبات على الشخصيات والجهات المعطلة؟ أم أن الحد الأدنى من الشعور بالمسؤولية الوطنية سيكون كافيًا لتصويب المسار، وتغليب منطق الدولة، وتجنيب لبنان وشعبه مزيدًا من الخسائر والتضحيات التي لم يعد الوطن قادرًا على تحملها؟
يقول  المفكر الاستراتيجي البريطاني-الأميركي  المعاصر كولن جراي، وهو أحد أبرز علماء الواقعية الاستراتيجية:»إن النصر الحقيقي في الاستراتيجية لا يقاس بدمار العدو، بل بالسلام والاستقرار المستدام الذي يعقب الحرب،» و بالتالي أن القوة الحقيقية للبنان اليوم ليست في خوض حروب استنزاف، بل في استثمار المسار الدبلوماسي لفرض الاستقرار.