د. نادية هناوي*
ما من شاعرٍ ينظمُ المطوّلةَ الشعريّة إلّا ولديهِ نزعة فكريّة خاصّة، منها يَتّخذُ أرضيّةً، يُقيمُ عليها معمارَ قصائده، وذلك تبعاً لما تمدّهُ به موهبتهُ من أدواتٍ، وما تزوّدهُ به ثقافتهُ من قدراتٍ في استنهاض ما لديه من نزوعٍ فكريّ. وهذا ما يَجعل المطوَّلةَ الشعريّة نِتاجَ فكرٍ انتظمَتْ منطقيّتُه داخل المخيّلة، وحصيلةَ كدٍّ ذهنيّ استنفرتْ طاقَتَهُ مُقتضياتُ البناء الشعريّ، فدَفعت به نحو التأجُّج.
وبالاستنادِ إلى هذه المؤدّياتِ، يَغدو امتلاكُ الشاعر لنزعةٍ معيّنة في الحياة سبَباً في أن يتوجَّه صوبَ نُظُمِ المطوّلات. وكثيراً ما يذهبُ الظنُّ إلى أنَّ امتلاكَ مثل هذه النّزعات الفكريّة يَعني أنَّ الشاعر متأثرٌ بواحدةٍ أو أكثر من التيّارات الفكريّة أو الفلسفات القديمة أو الحديثة أو أنَّ الشاعر واقعٌ تحت تأثيرِ فيلسوفٍ بعيْنه، انبهرَ بفكره، فانعكسَ ذلك على شِعره. وهذا تصوُّرٌ غير دقيق، لأنَّ الشعرَ والفكرَ متلازمان على طول التاريخ البشري، ولطالما وجدَ الفلاسفةُ في الشعر مرتعاً، فاتَّخذوا منه مُنطلقاً، يَستقون منه الرؤى، وعليه يُقيمون التمثّلاتِ. وكذلك يَأخذ الشعر من الفلسفةِ النظريّات، ويُشكِّل الاتّجاهات؛ أَوليس شعرُ هوميروس هو القبسُ الذي من خلال التمثُّل به وَضَعَ فلاسفةُ الإغريق رؤاهم الفكريّة إزاء الكون والحياة والإنسان؟ وهل كان لمدرسة الصنعة أن تكون من دون شعر أبي تمّام، وفيه ابتدعَ من المعاني ما اقتضى من شرَّاح شعره ومفسّريه أن يَرتقوا بقدراتهم التحليليّة إلى مرتبة التفكير الفلسفي؟ ولماذا كان الفلاسفةُ المُسلمون لا يَستغنون عن التمثُّل بالشعر، ويحرصون على كشْفِ جماليّاته؟!
ليس جزافاً القولُ إنَّ الفلسفةَ تنتظرُ من الشعر أن يكونَ ذا نزوعٍ فكريّ خاصّ تجاه الوجود والزمان والإنسان، وليس العكس. وإذا ما كان للشاعر مثل هذا النّزوع، فلا يعني هذا أنّه في مرحلةٍ عمريّة متأخّرة وقد عركته التجارب؛ إذ قد يكون الشاعر في مُقتبل العمر ولكنَّ له من التأمُّل والحِكمة ما يَجعل شِعرَهُ مُميَّزاً بنزعةٍ فكريّة معيّنةٍ.
وكثيراً ما يَظلم الدارسون الشعراءَ ذوي المَنازع الخاصّة في التفكير، والذين لديهم اهتمام بنَظْمِ المطوّلات. والانطباع العامّ والرأي الجاهز أنْ ليس وراءَ التطويلِ الشعري سوى التكرار وإجهاد النَّفس في النَّظم أو أنْ ليس للشاعر أنْ يتمتّع بنزوعٍ فكريٍّ خاصّ به، وإنّما هو تأثّره بفكر فيلسوفٍ من الفلاسفة.
وفي هذا التصوُّر حيفٌ أدبي ومَعرفي تجاه هذا النَّوع من الشعراء؛ فليست التوجُّهات الرؤيويّة مخصوصة بالعمل الفلسفي وحده، بل يُمكن أن يكون الشعرُ حاضناً جماليّاً لها. وفي سياق هذا العرض تأتي تجربة الشاعر بلند الحيدري مثالاً ناصعاً على النّزوع الفكري الخاصّ في نظْم المطوّلات.
وإذا ما بَحثنا عن توصيفٍ يُناسبُ نزوعَ بلند الحيدري الفكري، فلن نَجِدَ ما يُناسبه سوى التوصيف بأنّه نزوعٌ تشاؤميّ، يقومُ على أساس الاشمئزاز المُعبّأ بالوجدانيّة الشفيفة وأحياناً الغنائيّة، المكرَّسة من أجل نقْد الحياة وتسخيف القيَم الزائفة التي تقوم عليها. ولقد غدا هذا النّزوع التشاؤمي ظاهرةً فنيّة ومَلمَحاً طاغياً على شِعر بلند برمّته، بدءاً من ديوانه «خفقة الطين» وانتهاءً بديوانه «آخر الدرب».
الشعر العربيّ الحديث
صحيح أنَّ الرؤية المُتشائمة للحياة والاشمئزاز من الوجود ليسا بالأمر الجديد، وإنّما هُما يحضران في النصوص اللّاهوتيّة والميثولوجيّات والمُعتقدات الشعبيّة، بيد أنَّ ما يُميِّز بلند الحيدري هو منحاه الخاصّ في إلباس هذه الرؤية لبوساً مُستحدَثة، مُكترِثاً بالكيفيّة التي بها يتمّ التعبير عن عالَمٍ مريع، فيه يحيا الإنسان رغماً عنه، ولا يَجدُ في الاستمرار فيه أدنى جدوى، ومع ذلك يتحمَّل تبعاتِ العيش فيه.
ولعلّ أهمّ سببيْن جَعلا بلند الحيدري ينزعُ هذا النّزوع وعمره لا يَتجاوز العشرين عاماً، هو ما عاناهُ في طفولته وصباه من حرمانٍ وقلقٍ أوّلاً، وما تمتَّع به ثانياً من ذهْنٍ وقّادٍ وموهبةٍ شعريّة متدفّقةٍ؛ فلقد جَمَعَ الموهبةَ الأصيلة مع الفكر الحرّ، فكان ذلك مُحفِّزاً من مُحفّزات تمتّعهِ في كتابة الشعر بنزعةٍ فكريّة تشاؤميّة خاصّة في تأمُّل الحياة والوجود والإنسان. وهذه النّزعة هي الغاية التي وسيلتها الشعرُ الذي فيه وَجَدَ بلند من القيودِ ما يحولُ دون التعبير الرؤيوي عمّا في ذاتِه الشاعرة من فكر. ولذلك تحرَّرَ من القافية، وثارَ على نظام الشطرَيْن. وشجَّعهُ على ذلك ما وَجدهُ في تجاربِ الشعراء الكبار السابقين - في مقدّمتهم الزهاوي - من محاولاتٍ ناضجةٍ في هذا المجال، يُمكنُ السيرُ عليها والاستمرارُ فيها. وبهذا يكونُ نزوعُ بلند التشاؤمي هو الذي قادَه إلى كسْرِ الشكل الشطري للقصيدة العربيّة. وبسببِ هذا التجريب عُدَّ بلند رائداً من روّاد حركة الشعر، وأحد المُجدِّدين العرب الذين تمرَّدوا على نظام الشطرَيْن.
واستمرَّ بلند في هذا النّهج على طول تجربته الشعريّة التي بقيتْ على قوَّتِها من دون أنْ يُكرِّرَ نفسَهُ أو يَقعَ في الاجترار، بل ظلَّ شاعراً له نزوعُهُ الفكري الخاصّ، بحيث لا يُمكن لأيِّ ناقدٍ أو دارسٍ أنْ يَتجاوزه. وينطبقُ أمرُ اتّخاذ الشكل الشعري وسيلةً لغايةٍ فكريّة على الروّاد الثلاثة أيضاً؛ فمَسعاهم في تحديثِ القصيدة عَبْرَ تغييرِ البناء الشكلي لم يكُن في حدِّ ذاته هو هدفهم، وإنّما هو وسيلة، بها تمكَّنوا من البناءِ الموضوعي لأفكارهم، وهذا هو ما كان شاغلهم الأكبر.
وليستْ هذه المساعي نحو جعْلِ البناء الحداثي للشعر حاضناً للرؤى الفكريّة سوى محصّلة من محصّلات الإرادة التي لا تكون من دون وجود قصديّة سابقة. ومَن يقرأ شعر بلند الحيدري، سَيَجِدُ أنّ ثمّة إرادة في التشاؤم، تَطغى على قصائده، ومن خلال ذلك يُعبِّر عن عُمق إحساسه بالظلم والقهر والتخلُّف، فـكان يَغرس عَبْر حزنه نواةً لإرادة التغيير في المُجتمع بظلالٍ رومانسيّة سوداويّة، تنعكس على الذّات، فتُحيلها كائناً منعزلاً ومأسويّاً ورافضاً ومُتشائماً، لا يرى في الواقع أيّ حلٍّ ولا يرنو إلى تغييره، بل هو لا يتطلَّعُ إلى أيِّ حلٍّ في المستقبل القريب أو البعيد. وما جَعَلَ الشاعرَ بلند قبالة هذا النّزوع التشاؤمي هو تفكيره الواقعي التراجيدي الذي دلَّه على مكامن الزيف في علاقة الذّات بالعالَم، فاكتشفَ بذلك الحقيقة. واكتشافُ الحقيقة هو الموئل الذي مدَّ بلند بالتشاؤم، بكلّ ما يعنيه من كآبةٍ وخيبةٍ وخذلان، واجِداً في مُزواجة الفكر التشاؤمي بالإبداع الشعري ما يُحقِّقُ لقصائده أغراضاً جماليّة، في مقدّمتها الثورةُ الاجتماعيّة والسياسيّة والفكريّة.
لقد كانت بواكير بلند الحيدري تجسيداً حيّاً لنزعته الفكريّة هذه؛ ففي ديوان «خفقة الطين» 1946، بَحَثَ الشاعرُ عن أوّلِ نسغٍ في الحياة حين خفقَ الطينُ فكان آدم. وعادةً ما تنداحُ نزعتُهُ الفكريّة في جوٍّ رومانسيّ سوداويّ، تشوبه الغنائيّة.
ولقد تجنّى النّاقد عبد الجبّار داود البصري حين عدَّ معاني هذا الديوان غراميّةً مُبتذَلةً وانطلاقاتٍ فيها تهريج. ولا عجب في هذا التصوُر إذا ما علمنا أنّ هذا النّاقد بَعد أكثر من عشر سنوات على قيام حركة الشعر الحرّ يُسمّي روّادها «المنطلقين» وشِعرهم بالمنطلق.
إنّ نزوعَ الشاعر بلند الحيدري التشاؤميّ ظلَّ سمةً فنيّة تُرافِق شِعره؛ وعن ذلك يقول: «إنّي أتلمَّس تجربتي الشعريّة ضمن بُعدَيْن رئيسَيْن: الأوّل منهما يُعبِّر عن تطلُّع الشاعر في الذّات المُعاصرة. والثاني منهما يَرسم تحرُّك الواقع المضادّ، وأنا جادٌّ في الاعتقاد بأنّ أيّ انفصامٍ بين هذَيْن البُعدَيْن في التجربة الشعريّة يُسقطها في الدعائيّة السمجة.. أو الفوتوغرافيّة الميّتة..». وهذا ما سارَ عليه الحيدري في مطوّلته «حوار عَبر الأبعاد الثلاثة» 1946 وكذلك فَعَلَ في ديوانه «أغاني المدينة الميّتة» 1951. فصبَّ رؤيته التشاؤميّة صبّاً، معها بلَغ مشروعه الشعري مرحلة متقدّمة فنيّاً.
* كاتبة وناقدة من العراق
(يُنشر هذا المقال بالتزامن مع دورية «أفق» الإلكترونيّة الصادرة عن مؤسّسة الفكر العربيّ)