بيروت - لبنان

اخر الأخبار

1 تموز 2026 12:15ص من اتفاق الإطار إلى إطار الدولة

حجم الخط
لم يعد السؤال المطروح في لبنان ما إذا كان اتفاق الإطار الذي وُقِّع في واشنطن سيُنفَّذ كاملاً أم جزئياً بل كيف يمكن للدولة اللبنانية أن تستثمر هذه اللحظة الإقليمية والدولية لتحويل أي تفاهم أمني إلى مدخل لإعادة بناء الدولة لا إلى فصل جديد من فصول الانقسام الداخلي. فالقضية الحقيقية لم تعد مرتبطة بنصوص الاتفاق أو تفاصيله بل بقدرة اللبنانيين على تحويل التحولات الكبرى المحيطة بهم إلى فرصة تاريخية لاستعادة الدولة ومؤسساتها.
لقد أثبت التاريخ اللبناني منذ الاستقلال مروراً باتفاق الهدنة عام 1949 ثم وثيقة الوفاق الوطني في الطائف وصولاً إلى الأزمات المتعاقبة حقيقة لا تكاد تقبل الجدل، وهي أن التسويات الخارجية مهما بلغت أهميتها لا تصنع استقراراً دائماً إذا لم تستند إلى مشروع وطني جامع. كما أثبتت التجربة أن كل اتفاق يُقدَّم بوصفه انتصاراً لفريق أو هزيمة لآخر لا يلبث أن يتحوّل إلى بذرة أزمة جديدة فيما تتراجع الدولة وتتسع مساحات الفراغ السياسي والمؤسساتي.
من هنا فإن النقاش المطلوب اليوم لا ينبغي أن يدور حول الدفاع عن اتفاق الإطار أو مهاجمته بل حول إدراجه في رؤية وطنية ودستورية أشمل يكون فيها الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني المرجعية العليا، وتتحوّل فيها أي تفاهمات خارجية إلى أدوات لدعم الدولة لا إلى بدائل عنها أو مراكز قوة موازية لها.
فالدولة الحديثة لا تُبنى بتوازنات السلاح وإنما باحتكار المؤسسات الدستورية الشرعية لاستخدام القوة في إطار القانون. وهذا يفرض انتقالاً حقيقياً من سياسة إدارة الأزمات إلى استراتيجية بناء الأمن الوطني المستدام. وفي هذا السياق ينبغي أن يصبح الجيش اللبناني الركيزة الأساسية لمنظومة الأمن الوطني من خلال برنامج إصلاحي طويل النفس يشمل تحديث العقيدة العسكرية وتأهيل الموارد البشرية، وتطوير منظومات القيادة والتسليح وإعادة تنظيم الهرمية العسكرية وتعزيز الصناعات والخدمات الدفاعية المساندة بما يتيح للمؤسسة العسكرية تنفيذ المهام التي أناطها بها الدستور بكفاءة واستقلالية.
غير أن تطوير قدرات الجيش على أهميته لا يكفي وحده. فلبنان يحتاج إلى سياسة دفاعية وطنية واضحة، تنبثق حصراً عن المؤسسات الدستورية تحدد مصادر التهديد وآليات اتخاذ قرار استخدام القوة والأدوار التكاملية بين مختلف الأجهزة الأمنية، بحيث يصبح قرار الحرب والسلم قراراً وطنياً مؤسساتياً لا قراراً فئوياً أو امتداداً لحسابات المحاور الإقليمية.
ولا يمكن مقاربة هذا الملف من دون التوقف عند تجربة المقاومة التي أدّت في مراحل مختلفة من تاريخ لبنان أدواراً ينظر إليها اللبنانيون من زوايا متباينة. إلّا أن استمرار أي قوة مسلحة خارج المؤسسات الرسمية وبعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة يطرح إشكاليات تتصل بوحدة القرار الوطني وسيادة الدولة، خصوصاً عندما يرتبط القرار العسكري باعتبارات تتجاوز المصلحة الوطنية اللبنانية.
ومن هنا فإن المطلوب ليس شطب ذاكرة المقاومة أو إنكار تضحياتها كما أنه ليس الإبقاء عليها أسيرة الاصطفافات الإقليمية، بل الانتقال التدريجي إلى مرحلة تُدمج فيها الخبرات والطاقات الوطنية ضمن مؤسسات الدولة بحيث تصبح حماية لبنان مسؤولية حصرية للمؤسسات الشرعية ويتحول مفهوم المقاومة من عنوان انقسامي إلى قيمة وطنية جامعة تخضع للدستور والقانون.
لقد أثبتت التجارب أيضاً أن لبنان لا يستطيع مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية منفرداً. ولذلك فإن أي تفاهما مستقبليا ينبغي أن يستند إلى عمقه العربي وأن يحظى بتنسيق سياسي مع الدول العربية بما يمنع عزل لبنان أو تحويله إلى ساحة تفاوض بالنيابة عن الآخرين.
وفي هذا الإطار يكتسب تفعيل العلاقات مع سوريا وفق المبادئ التي نص عليها اتفاق الطائف، أهمية خاصة بما يسمح بتنظيم التعاون في ملفات التجارة والنقل والطاقة وضبط الحدود والتنسيق الأمني والعسكري، على قاعدة الاحترام المتبادل لسيادة الدولتين وتحقيق مصالحهما المشتركة. كما أن توسيع الشراكات مع مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا وسائر الدول العربية والإقليمية في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتدريب وبناء القدرات، من شأنه أن يعزز تنوع العلاقات الخارجية للبنان ويحد من ارتهانه لأي محور منفرد. أما التعاون الدفاعي والأمني فيجب أن يبقى محصوراً بالدولة اللبنانية وضمن الأطر الدستورية والاتفاقيات الرسمية.
فالسلام الحقيقي ليس استسلاماً كما أنه ليس استمراراً للحروب المفتوحة أو تحويل الصراع الخارجي إلى اقتتال داخلي. السلام هو ثمرة دولة قوية، عادلة وقادرة تحتكر قرارها السيادي وتحظى بثقة مواطنيها ودعم مؤسساتها.
ومن هذا المنطلق يمكن للبنان أن يستند إلى اتفاقية الهدنة لعام 1949 ووثيقة الوفاق الوطني والمبادرة العربية للسلام لعام 2002 باعتبارها مرتكزات لصياغة رؤية وطنية متكاملة، تؤكد الالتزام بالشرعية الدولية وتصون السيادة اللبنانية وتدعم الحلول السلمية العادلة في المنطقة.
لكن إعادة بناء الدولة لا تبدأ بالمؤسسات وحدها بل بالمجتمع أيضاً. فالبلدات والقرى التي دمرتها الحروب تحتاج إلى خطة وطنية شاملة لإعادة الإعمار تتولاها الدولة اللبنانية وحدها بعيداً عن أي احتكارات حزبية أو مراكز نفوذ موازية بما يضمن عودة المهجرين، وتعويض المتضررين، وإعادة تأهيل البنية التحتية وتحريك الاقتصاد المحلي حتى لا تتحول آثار الحرب إلى واقع دائم يغذي الانقسام.
أما بيروت فلا بد أن تستعيد مكانتها كعاصمة لجميع اللبنانيين ومركز للدولة والإدارة والثقافة والاقتصاد، وأن تخضع بصورة كاملة لسلطة الدولة بما يشمل إنهاء أي وجود مسلح خارج الشرعية في بيروت الكبرى حفاظاً على أمن العاصمة ورمزيتها الوطنية.
إن استكمال تنفيذ اتفاق الطائف لم يعد خياراً سياسياً لفريق دون آخر بل أصبح ضرورة وجودية لإنقاذ الدولة اللبنانية. ويشمل ذلك إنشاء مجلس الشيوخ، تطبيق اللامركزية الإدارية الموسعة بعد إعادة النظر في التقسيمات الإدارية بما يحقق التوازن، تعزيز استقلال السلطة القضائية، إصلاح الإدارة العامة، ترسيخ الفصل الحقيقي بين السلطات وتطوير النظام الانتخابي بما يعزز المواطنة والشراكة الوطني.
فلبنان في هذه المرحلة لا يحتاج إلى اتفاق جديد بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية جديدة تطبق ما توافق عليه اللبنانيون وتطوره بما ينسجم مع التحولات الإقليمية والدولية من دون المساس بالثوابت الدستورية أو أسس الكيان الوطني.
إن اللحظة الراهنة بكل ما تحمله من مخاطر وتحوّلات قد تكون في الوقت نفسه فرصة تاريخية نادرة. فإذا أحسن اللبنانيون استثمارها أمكن لاتفاق الإطار أن يتحوّل من مادة للتجاذب السياسي إلى نقطة انطلاق لمسار وطني يعيد بناء الدولة، وينهي منطق الساحات والمحاور والتبعيات المتقابلة وينقل لبنان من دولة تعيش على التسويات المؤقتة إلى دولة تستند إلى الدستور والمؤسسات والسيادة والشراكة العربية والسلام العادل.
تلك هي الفرصة التي قد لا تتكرر، وما سيحدد مصيرها ليس ما كُتب في الاتفاقات بل ما يقرره اللبنانيون لأنفسهم وللدولة التي يريدونها.