يعيش اللبنانيون، كما سائر شعوب المنطقة، مرحلة حبس أنفاس حقيقية وهم يترقّبون مآلات المفاوضات الأميركية – الإيرانية، المفترض أن تبدأ اليوم في مسقط، بين أمل بإحداث خرق سياسي يبدّل مسار التصعيد، وخشية دائمة من تعثّر قد يعيد عقارب الساعة إلى منطق المواجهة المفتوحة.
هذه المفاوضات لم تعد شأناً ثنائياً يخص واشنطن وطهران فحسب، بل تحوّلت إلى مفصل إقليمي يتوقف عليه مستقبل توازنات أمنية واقتصادية وسياسية تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.
في حال فشل المفاوضات، ستكون إيران أول المتضرّرين، إذ سيعني ذلك تشديد العزلة الدولية، واستمرار العقوبات الخانقة، وربما الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة مع الأساطيل الأميركية. فشل المسار التفاوضي سيقوّي التيارات المتشددة داخل النظام، ويقفل الباب أمام أي إصلاح اقتصادي أو انفتاح سياسي، ما يفاقم الأزمات الاجتماعية والمعيشية داخل البلاد، ويدفع طهران إلى تعويض خسائرها عبر تشديد حضورها الإقليمي واستخدام أوراق الضغط المتاحة في مناطق نفوذها.
أما على المستوى الإقليمي، فإن تعثّر المفاوضات سيعيد مناخ التصعيد وعدم الاستقرار، ويرفع منسوب التوتر في ساحات هشّة بطبيعتها. ولبنان سيكون من أكثر المتأثرين، بحكم موقعه وتركيبته ودوره في شبكة الصراعات الإقليمية. أي فشل تفاوضي سيُترجم ضغطاً أمنياً وسياسياً إضافياً على الداخل اللبناني، ويزيد سيناريوات التصعيد الإسرائيلي الحالي، ويُضعف فرص التعافي الاقتصادي، ويجمّد أي مسار دعم أو استثمار خارجي، في بلد لا يحتمل مزيداً من الصدمات.
في المقابل، فإن نجاح المفاوضات والتوصل إلى اتفاق حاسم سيشكّلان نقطة تحوّل كبرى للجميع. عودة إيران إلى منطق الدولة المنهمكة بشؤونها الداخلية، بعد رفع العقوبات وإعادة إدماجها في الاقتصاد العالمي، من شأنها أن تُطلق ورشة إصلاح وتنمية شاملة، تعيد توجيه الموارد نحو الداخل الإيراني بدل استنزافها في صراعات الخارج. هذا التحوّل سينعكس حكماً تهدئة إقليمية، ويخفف منسوب التوتر في ساحات الاشتباك، ويفتح الباب أمام تسويات سياسية طال انتظارها.
لبنان سيكون من أبرز المستفيدين من أي اتفاق ناجح. فمناخ التهدئة الإقليمي سيمنح الدولة اللبنانية هامشاً أوسع للتحرك، في تنفيذ قرارات الحكومة في حصرية السلاح وبسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، ويخفف الضغوط الأمنية، ويعيد فتح قنوات الدعم والمساندة الدولية، ويعزّز فرص الاستقرار الضروري لاستكمال مسار الإصلاح والإنقاذ. كما أن تراجع إحتمالات المواجهة سيعيد الاعتبار للأولويات الداخلية، ويحدّ من توريط البلد في صراعات تتجاوز قدرته على الاحتمال.
بين الفشل والنجاح، تقف المنطقة عند مفترق دقيق. الخيار التفاوضي، رغم صعوبته، يبقى أقل كلفة بكثير من الذهاب إلى المواجهة. أما بالنسبة للبنان، فإن نجاح هذه المفاوضات ليس ترفاً سياسياً، بل هو شرطٌ أساسي لتفادي الأسوأ، وفتح نافذة أمل بنجاح مسار الإنقاذ الحالي في زمن تتناقص فيه الفرص.