بيروت - لبنان

اخر الأخبار

17 نيسان 2026 12:00ص مرصد الأزهر محذّراً من الاستغلال الإلكتروني للقاصرين: التنظيمات الإرهابية تستغلّ شبكات الإنترنت لتحقّق التجنيد الرقمي

حجم الخط
أكد مرصد الأزهر أنه في عصر التكنولوجيا الحديثة، الذي يشهد تطوراً غير مسبوق في وسائل الاتصال، أصبحت الشبكة العنكبوتية ساحة جديدة لاستغلال القاصرين والقاصرات من قبل جماعات وكيانات تسعى إلى استخدامهم في أغراض غير أخلاقية، أبرزها تجنيدهم للتحريض على العنف أو لتوظيفهم كأدوات في عمليات إرهابية ووقود اللهجمات الانتحارية. أحد أبرز هذه التحديات التي تواجه المجتمع العالمي اليوم هو «التجنيد الرقمي للفتيات القاصرات»، وهو ظاهرة أصبحت تهدّد ليس فقط أمنهن الجسدي، بل أيضاً عقلهن ومستقبلهن.

التجنيد الرقمي: التعريف والمخاطر

التجنيد الرقمي هو عملية استغلال الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لتهديد أو استقطاب الأشخاص، خاصة القاصرين، لتوظيفهم في أنشطة غير قانونية أو عنيفة. ولذا يعتبر من أخطر الأساليب التي يُمكن أن تُستخدم لاستهداف الفتيات القاصرات في الوقت الحالي، حيث يشكّل الفتيات القاصرات هدفاً سهلاً للعديد من الجماعات المتطرفة أو العصابات الإجرامية عبر الشبكة العنكبوتية، بدءاً من التلاعب النفسي وانتهاءً بتورطهن في الأعمال الإرهابية أو العنف المجتمعي.
وفي بعض الحالات تنجح قوات الأمن في إنقاذ بعض الضحايا قبل فوات الأوان، ومن ذلك القصة المؤلمة التالية، التي تُجسّد كيف يمكن أن يتحوّل التجنيد الرقمي إلى كابوس لا نهاية له، يمكننا أن نتحدث عن «سارة»، فتاة باكستانية قاصر في السابعة عشر من عمرها، تم تجنيدها عبر وسائل التواصل الاجتماعي من قبل جماعة متطرفة، وبدأت سارة بالتفاعل مع شخص مجهول على الإنترنت، وهو في الواقع أحد المجنِّدين، الذي بدأ في التلاعب بمشاعرها وتعزيز شعورها بالوحدة والفراغ العاطفي. بعد أشهر من التواصل، أصبحت سارة مقتنعة بأن الانضمام إلى الجماعة هو الطريق الوحيد للانتماء، وأن ما تقوم به هو من أجل «الخير»، ولحسن الحظ، أدركت عائلة سارة في وقت مبكر أنها قد تكون مستهدفة من قبل جهات خارجية، وبدأت الأم تلاحظ تغيّرات غير طبيعية في سلوك ابنتها. عندها تم التواصل مع السلطات المختصة، مما أسفر عن إحباط خطة الجماعة المتطرفة. تم إنقاذ سارة في اللحظة الأخيرة قبل أن يتم إرسالها إلى المعسكرات التي كانت تروّج لها الجماعة.
والقصة هنا لا تتعلق بمخطط إرهابي أُحبط فحسب، بل بفتاة كادت أن تفقد حياتها قبل أن تفقد مستقبلها. فالتجنيد الرقمي لا يدمر الضحية وحدها، بل يترك آثاراً عميقة على المجتمع بأسره؛ إذ يهدّد النسيج الاجتماعي ويغذّي دوامات الخوف وانعدام الثقة، كما يفتح الباب أمام استخدام الفئات الضعيفة وقوداً في صراعات عنيفة لا علاقة لهن بها.
ولا يمكن إغفال أن العديد من الفتيات القاصرات لا يُنقذن في الوقت المناسب، مما يتركهن عُرضة للتضحية بحياتهن ومستقبلهن ويُتركن في دوامة من العنف والإرهاب لا علاقة لهن بها.
القصص التي تتعلق بتجنيد الفتيات من قبل التنظيمات المتطرفة تعدّ من المواضيع المحزنة والمثيرة للقلق في العصر الحالي، حيث يتم استغلال الصغر والجهل في غرس أفكار التطرف والإرهاب في عقولهن، كما حدث مع فتيات باكستان، وهنا يصبحن ضحية لأيديولوجيات متطرفة مدمرة ليس لها فائدة سوى إحداث المزيد من الألم والتدمير في المجتمع.
هذه القصص المأساوية تبرز ضرورة التدخّل الأمني السريع، لكنها أيضاً تُظهر الحاجة الملحة إلى التعليم التوعوي والدعم النفسي للمجتمع بشكل عام، خاصة للفئات الضعيفة. فالتعليم والوعي يمكن أن يُشكّلا حصناً واقياً أمام محاولات التجنيد الرقمي التي تفتح أبواب العنف والإرهاب.

تجنيد القاصرات تحوّل مقلق في تكتيكات التنظيمات المتطرفة

وأكد المرصد أن هذا الأمر يعكس تحوّلاً مقلقاً في تكتيكات الجماعات المتطرفة، التي لم تعد تكتفي باستقطاب الشباب من الرجال، بل باتت تستهدف الفئات الأكثر ضعفاً، مستغلّة ما قد يحيط بهن من هشاشة نفسية أو شعور بالوحدة أو الحاجة إلى الانتماء، ومستخدمة الخطاب العاطفي والتلاعب النفسي بدل الإقناع الأيديولوجي المباشر، بهدف خلق علاقة ثقة أولية قبل زرع الأفكار المتطرفة تدريجيًّا.
وغالباً ما تبدأ عملية الاستقطاب عبر منصات التواصل الاجتماعي أو تطبيقات الدردشة، حيث يظهر المجنّد في صورة صديق متفهّم أو داعم عاطفي، ثم يبدأ في بناء علاقة نفسية مع الضحية. ومع مرور الوقت، تتحوّل هذه العلاقة إلى وسيلة للضغط والتوجيه، حيث يتم تقديم الأفكار المتطرفة على أنها طريق لتحقيق البطولة أو نيل الاحترام أو حتى الخلاص من المعاناة الشخصية.
هناك العديد من التقنيات المستخدمة في التجنيد الرقمي من أبرزها:
• التواصل عبر الإنترنت: عادة ما يتم استهداف الفتيات القاصرات عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل: فايسبوك، وإنستغرام، وتيليجرام، وتويتر (إكس)، وتيك توك. هذه المنصات توفر فرصاً للتواصل مع شخصيات مجهولة قد تبدو ودّية في البداية.
• الاستغلال العاطفي: يعتمد الكثير من المجنّدين الرقميين على بناء علاقة عاطفية مع الفتاة القاصر، حيث يتم استهداف حاجاتها النفسية والعاطفية، مثل الحاجة للتقدير والانتماء. وبعد أن تنسج الفتاة رابطاً عاطفيًّا مع «المجنّد»، تبدأ محاولات التأثير عليها لتبنّي أفكار متطرفة أو المشاركة في أنشطة عنيفة.
• التلاعب بالإيديولوجيا: غالباً ما يتم بث الأفكار المتطرفة، عبر تقديم إيديولوجيات دينية أو سياسية تدعو إلى العنف مغلّفة بأنها وسيلة للحصول على هوية أو مكانة اجتماعية أو حتى أمان شخصي.• المحتوى المصور والتفاعل المباشر: يتم استخدام الفيديوهات والصور وسيلة جذب، حيث يُعرض على الفتاة القاصر محتوى يظهر فيه أشخاص يقيمون أعمالاً «بطولية»، مثل الهجمات الإرهابية أو الأعمال العنيفة، مما يعزز شعور القوة والانتماء للمجموعة.

الآثار المدمّرة على الفتيات القاصرات

وفنّد المرصد الآثار الكارثية للتجنيد الرقمي للفتيات القاصرات على عدة أصعدة:
• الضياع النفسي والعاطفي: الفتيات القاصرات اللاتي يتم تجنيدهن رقميًّا يفقدن حس الهوية الشخصية، حيث يتم تحويلهن إلى أدوات لتنفيذ أهداف الجماعات التي تقوم بتجنيدهن، مما يترك أثراً نفسيًّا عميقاً ويؤدي إلى اضطرابات في الشخصية.
• المخاطر البدنية: في بعض الحالات، يتم تجنيد الفتيات للمشاركة في أنشطة عنيفة قد تؤدي إلى إصابتهن جسديًّا أو حتى قتلهن خلال مشاركتهن في العمليات الإرهابية أو الهجمات المسلحة.
• تدمير المستقبل: بعد أن يتم تجنيد الفتيات وابتلاعهن لفكر متطرف، تصبح حياتهن متوقفة على أهداف هذه الجماعات. مما يؤدي إلى تدمير مستقبل الفتاة الأكاديمي والمهني والاجتماعي.
وأكد المرصد في الختام على أن التجنيد الرقمي للفتيات القاصرات ليس مجرد تهديد على الأفراد بل يشكّل تهديداً على المجتمعات بأسرها، يتطلب التصدّي له التزاماً جماعيًّا من جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الحكومات، الأسر، والمنظمات الدولية، لأن كل وقت ينقضي دون اتخاذ إجراءات حازمة، تزيد فرص استغلال فتياتنا كأدوات للعنف، فالتحرك الآن أصبح ضرورة لضمان أن يعيش الجيل القادم في عالم آمن بعيداً عن مخاطر التجنيد الرقمي والتطرف.