بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 حزيران 2026 12:00ص المقاصد وبيروت.. ثنائية الوعي والهوية (12)

أمين الداعوق: مأسسة الحداثة والتحديث الصرحي ومواجهة العاصفة المالية

حجم الخط
تسلّم الأمانة على أعتاب الألفية الثالثة

مع بزوغ فجر القرن الحادي والعشرين، وتحديداً في العام 2000، تسلّم دفة القيادة وأمانة الآباء والأجداد أمين محمد الداعوق، ليكون الرئيس الرابع عشر في تاريخ هذا الحصن البيروتي والوطني العريق. لم يكن «أبو محمد» غريباً عن كواليس المقاصد وأروقتها؛ فهو ابن البيئة المقاصدية الخالصة التي خبر تفاصيل ملفاتها التربوية، والطبية، والمالية لسنوات طويلة كعضو فاعل وأمين سر متمكن، إلى جانب كونه سليل عائلة بيروتية عريقة ارتبط اسمها ارتباطاً وثيقاً بنشأة المقاصد ودعم أوقافها وحماية هويتها العاصمة.
جاء عهد المهندس أمين الداعوق محكُوماً بإستراتيجية واضحة: «المأسسة، العصرنة، والتطوير الهيكلي». انطلق الرجل برؤيته الهندسية التخطيطية المنظمة لإعادة صياغة واقع الجمعية ليواكب متطلبات القرن الجديد؛ فعمل على تعزيز منعة مؤسساتها، وتحويل كلياتها العالية إلى مداميك جامعية تنافس كبريات الصروح الأكاديمية. إلا أن هذا العهد، برغم زخم إنجازاته الكبرى وتوسّعه العمراني، كُتب عليه أن يقود السفينة في واحدة من أعنف وأقسى الأزمات الاقتصادية والمالية والسياسية التي ضربت لبنان في تاريخه المعاصر؛ فوجد الداعوق نفسه في مواجهة معارك ضارية لتحصين صندوق الجمعية وحماية استقلالية قرارها الحر وسط الأنواء العاصفة، مجترحاً الحلول الصعبة والجرعات المرّة لتبقى المقاصد منارة لا تنطفئ.

****

• قيادة واثقة: تسلسل الولايات الأربع وتجديد الثقة المتتالية

لم يكن انتخاب المهندس أمين محمد الداعوق رئيساً لمجلس أمناء المقاصد في العام 2000 مجرد إجراء إداري عابر، بل كان تفويضاً بيروتياً جامعاً لرجل يجمع بين الأصالة العائلية العريقة والفكر الإداري والتخطيطي الحديث. وبفضل حنكته ورصانته في إدارة الأزمات، نال الداعوق ثقة الهيئة العامة ومجلس الأمناء لولايات متتالية عكست استقراراً بنيوياً وتاريخياً في مسيرة الجمعية؛ فبعد انتهاء ولايته الأولى، أُعيد انتخابه لولاية ثانية في العام 2004، ثم تجدّدت الثقة به لولاية ثالثة في العام 2008، وصولاً إلى إجماع مجلس الأمناء على التجديد له لولاية رابعة وأخيرة في العام 2012.
هذا التوالي المنظم للولايات الأربع على مدى ثمانية عشر عاماً منح العهد فرصة ذهبية للمضي قدماً في تنفيذ الورش التطويرية الطويلة، ورسم خطوط الدفاع الطبية والتربوية والاجتماعية التي حمت المجتمع البيروتي وصانت شبكة أمانه في أحلك الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي عصفت بالبلاد.

• قفزة التعليم العالي والتكامل الأكاديمي والطبّي

تصدّر ملف التعليم العالي أولويات المهندس أمين الداعوق، الذي سعى بكل ثقله لتحويل الاعتراف القانوني بـ«جامعة المقاصد الإسلامية في بيروت» عام 2000 إلى منصة أكاديمية تنافسية تخرج الكفاءات المصقولة بالعلم والاعتدال:
- كلية التمريض والعلوم الصحية: شهدت الكلية في العام 2006 ورشة تحديث شاملة لبنيتها التحتية ومناهجها التعليمية، حيث رُبطت بأحدث المعايير العالمية للجودة الطبية والأكاديمية، لتتحول شهادة التمريض المقاصدية إلى جواز عبور دولي وتأشيرة تميز تفتح لخريجاتها أبواب كبرى المستشفيات العربية والعالمية.
- التعاون الأكاديمي مع جامعة بيروت العربية: وتكريساً لسياسة الانفتاح وبناء الجسور مع المؤسسات الشقيقة في العاصمة، أطلق الداعوق برنامج تعاون علمي وطبي وثيق ومتطور مع «جامعة بيروت العربية»، وتحديداً في «قسم التخدير»، مما أتاح تبادل الخبرات الأكاديمية العالية.

• التمكين المجتمعي ومأسسة التطوع: من الرعاية إلى الإنتاج

أدرك المهندس أمين الداعوق مبكراً أن صمود المقاصد يرتبط وثيقاً بمدى تلاحمها مع نسيجها البشري والشبابي، فنقل العمل الاجتماعي من الإطار الخيري التقليدي القائم على الإعانة، إلى رحاب الإنتاج والتنمية المستدامة عبر محطتين رائدتين:
- تأسيس وحدة شؤون المتطوعين: أطلق الداعوق في عام 2001م هذه الوحدة التنظيمية الرائدة لمأسسة طاقات الشباب واستقطاب خريجي وخريجات المقاصد، ودمجهم في عمليات الإغاثة، والتنمية المحلية، والنشاطات التوجيهية، مما ضخ دماءً شابة وعزيمة متجددة في شرايين العمل الميداني للجمعية.
- تأسيس مركز «ورد المقاصد»: في خطوة نوعية لتمكين المرأة البيروتية وحماية الأسر المستورة، دشن الداعوق في تشرين الأول 2014 مركز «ورد المقاصد» الاجتماعي والإنتاجي. تحوّل هذا المركز سريعاً إلى حاضنة حرفية تخصصية لتدريب السيدات على الأعمال اليدوية، والتطريز، والتصنيع الغذائي، وتأهيلهن لدخول سوق العمل بكرامة، مجسّداً رؤية الجمعية في تحويل الحاجة إلى طاقة إنتاجية فاعلة.

• التوسّع الصرحي والوفاء لرجالات بيروت العظام

حافظ عهد الداعوق على الطابع العمراني الوقفي للجمعية، موازناً بين تلبية الاحتياجات الخدماتية لأبناء العاصمة، وترسيخ قيم الوفاء لرجالات المقاصد الذين طبعوا تاريخ بيروت والوطن:
- الخدمات الوقفية: افتتحت الجمعية «قاعة برغوت» و»قاعة الهبري» في حرم جامع الخاشقجي لتكونا في خدمة المناسبات الجامعة للعائلات البيروتية، كما جرى في عام 2010 افتتاح «قاعة الجارودي» في مقبرة الباشورة لتطوير المرافق الوقفية والخيرية التابعة للجمعية وتلبية حاجات المجتمع.
كما شهد العهد التوسّع المدرسي بافتتاح «ثانوية عبد السلام بوعزة الجزائري» في منطقة الحمراء، لتمثل صرحاً تعليمياً حديثاً في قلب رأس بيروت شُيّد بتمويل ودعم جزائري مقدر.
• التماثيل النصفية لعمر الداعوق وصائب سلام: تكريماً لذاكرة العاصمة، رعى الداعوق في عام 1423هـ / 2002م إقامة وإزاحة الستار عن التمثال النصفي لرئيس الجمعية الأسبق ورئيس حكومة بيروت العربية الراحل عمر بك الداعوق تقديراً لأياديه البيضاء. كما أشرف على إقامة تمثال نصفي لزعيم المقاصد التاريخي دولة الرئيس صائب سلام في حديقة بولفار صائب سلام بالمصيطبة، كشاهد حي على وفاء المقاصد لرجالاتها الكبار الذين حموا قرارها السيادي الحُر.

• المظلة الإنقاذية لرفيق الحريري وتحدّيات التحصين المالي

برغم الإنجازات البنيوية والأكاديمية، اصطدم عهد المهندس أمين الداعوق بالواقع الاقتصادي المتردي الذي شهده لبنان، وتراجع الهبات والمساعدات العربية والخليجية التقليدية، ليدخل الصندوق المقاصدي في أعنف أزمة سيولة ونقص في الرساميل نتيجة الديون المتراكمة وفوائدها المصرفية الموروثة.
وقد جاءت المبادرة الإنقاذية الكبرى من دولة رئيس مجلس الوزراء الشهيد رفيق الحريري، والتي استكملت مفاعيلها القانونية والمالية واللوجستية في مطلع عهد أمين الداعوق (وتحديداً في تشرين الأول من عام 2003. فبقرار تاريخي من الرئيس الحريري بوصفه مالكاً لـ «مصرف البحر المتوسط» (BankMed)، جرى إعفاء جمعية المقاصد إعفاءً كاملاً، نهائياً ومبرماً من الديون المترتبة عليها كافة لصالح المصرف، والتي بلغت قيمتها 35 مليون دولار أمريكي. شكلت هذه الالتفاتة الحريرية «طوق النجاة» والمظلة التاريخية التي حمت عقارات المقاصد وصروحها من الرهن، وسمحت لإدارة الداعوق بالتقاط أنفاسها لولاية تكنولوجية جديدة.
• إدارة التنمية والتمويل (2016م) والقرارات المؤلمة: عقب استشهاد الرئيس الحريري، وتفاقم الأزمات في البلاد، عاد شبح الضائقة المالية ليطل برأسه. بادر الداعوق عام 2016م إلى استحداث «إدارة التنمية والتمويل» كعقل مالي وجاذب للاستثمارات. وتماشياً مع سياسة «شد الأحزمة»، اضطرت الجمعية مكرهةً بالاضطرار إلى «بيع بعض الأراضي والشقق السكنية» غير المستثمرة المملوكة للجمعية لتوفير السيولة وسداد رواتب المعلمين والأطباء.
• إفطار البيال (15 حزيران 2017): شكّل حفل الإفطار الرمضاني السنوي في مجمع «البيال» محطة مكاشفة تاريخية، حيث ألقى الداعوق كلمة وجدانية صارم فيها النخب والفعاليات البيروتية بواقع الجمعية المالي الصعب بعد غياب المظلة الداعمة، مناشداً إياهم الالتفاف حول المقاصد لحماية دورها وصمود صروحها.

• تسليم الأمانة إلى الدكتور فيصل سنو (2018م)

في خطوة نبيلة تعكس الالتزام المطلق بالدستور المقاصدي وبمبادئ تداول السلطة، أعلن المهندس أمين محمد الداعوق عدم ترشحه لولاية جديدة بعد ثمانية عشر عاماً من البذل، والتحديث، وتحمل المسؤوليات الجسام في عين العاصفة متمسّكاً باستقلالية القرار المقاصدي الحر. وفي يوم الأحد ٢٠ أيار ٢٠١٨، اجتمع مجلس أمناء جمعية المقاصد لانتخاب هيئة إدارية جديدة، وأسفرت الانتخابات عن اختيار الدكتور فيصل سنو رئيساً جديداً لمجلس الأمناء، ليتسلم الأمانة ويسير بالمسيرة المقاصدية نحو آفاق القرن الجديد وثوابت الهوية والوعي.