مقدمة: الفارس يترجّل في ميدان الأمانة زعيماً مقاصدياً
لم يكن العام 1958م في تاريخ بيروت ولبنان مجرد محطة سياسية عابرة، بل كان عاماً عاصفاً بالتحوّلات والانتفاضات الشعبية التي أعادت رسم الخارطة السياسية والاجتماعية للبلاد. وفي خضم هذا المخاض الوطني والعروبي الكبير، كانت جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت على موعد مع فجر جديد، أحدث انقلاباً إيجابياً جذرياً في بنيتها التحتية، التربوية، والفكرية. فبعد انتهاء عهود المأسسة والتوسّع التقليدي، انتخبت الهيئة العامة للجمعية في عام 1378هـ/ 1958م الزعيم البيروتي والقطب الوطني الفذ دولة الرئيس صائب بك سلام رئيساً لمجلس إدارتها، ليكون الرئيس الثاني عشر في تاريخ هذا الصرح العريق.
جاء صائب سلام إلى المقاصد متأبطاً كاريزما الزعامة الشعبية الفذّة، وعمق الرؤية السياسية، وشبكة علاقات عربية ودولية لامتناهية. ورغم صولاته وجولاته في السرايا الحكومية ومنابر السياسة، إلّا أن معركته الأكبر والأحب إلى قلبه كانت في أروقة المقاصد التي أراد لها أن تكون مؤسسة عصرية تليق بالعصر، وحصناً منيعاً يحمي وجدان المسلمين وعروبتهم في لبنان. ومع توليه الدفة، بدأت تباشير «العصر الذهبي للمقاصد»، حيث تحولت الجمعية في عهده من طور العمل الخيري الموسمي إلى إمبراطورية تعليمية، واجتماعية، واستثمارية كبرى قادرة على صياغة وعي الهوية وبناء أجيال المستقبل.
السيادة القومية: المقاصد في ظلال العروبة والرحلات الإقليمية
آمن صائب سلام بأن المقاصد لا يمكن أن تغرّد خارج سربها العربي الطبيعي، وأن تحصين الوعي البيروتي واللبناني يتطلّب ربطه بالمراجع الفكرية الكبرى للأمة. ومع صعود المد العروبي الطاغي بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر، سارع سلام إلى تعزيز الهيئة المصرية التعليمية والأزهرية في المدارس المقاصدية؛ فاستقدم كبار المربّين والعلماء من الأزهر الشريف ووزارة التربية والتعليم في مصر لضبط المناهج الدينية، وتقويم اللغة العربية، وتدريس العلوم الحديثة وفق أرقى المعايير العصرية.وقد توّجت هذه العلاقة الإستراتيجية التاريخية بزيارات عربية واسعة النطاق لوفود المقاصد، عكست المكانة الإقليمية المرموقة التي تبوأتها الجمعية تحت زعامة عبد الناصر. وحلّ وفد المقاصد برئاسة صائب سلام ضيفاً على القاهرة، وحظي برعاية وتكريم شخصي من الرئيس جمال عبد الناصر، مما أثمر عن تدفق الدعم الثقافي والمنح الدراسية لخريجي الجمعية.وإبان عهد الوحدة بين مصر وسوريا (الجمهورية العربية المتحدة)، وتحديداً في 24 شعبان 1379هـ/ 21 شباط 1960م، قاد سلام وفداً مقاصدياً رفيعاً إلى دمشق الفيحاء، حيث استُقبل الوفد رسميّاً وشعبيّاً في تظاهرة قومية كبرى أكدت أن المقاصد هي جسر التواصل المتين وأقواس النصر الثقافية التي تربط لبنان بعمقه العربي الصلب.
التنظيم المالي وإستراتيجية الدعم العربي المستدام
أدرك صائب سلام، بحنكته السياسية، أن الطفرة العمرانية والتعليمية الكبرى التي يطمح إليها تتطلب تدفقات مالية ضخمة ومنتظمة تفوق القدرات المحلية للقرش الوقفي؛ ففتح خطوط اتصال مباشرة ومستدامة مع ملوك ورؤساء الدول العربية، لتبدأ مرحلة الدعم المالي المنظم والمستدام من الدول العربية لجمعية المقاصد والتي امتدت بزخم كبير بين عامي 1958م و1977م، حيث شكّلت هذه المساعدات الرافعة الأساسية لتغطية العجز المالي، وتوسيع مجانية التعليم، والإنفاق على الآلاف من أبناء المسلمين الكادحين.
ثورة الهندسة التربوية: المعاهد والأحياء والنهضة العمرانية
شهدت البنية التعليمية المقاصدية في النصف الأول من عهد صائب سلام طفرة عمرانية وهندسية غير مسبوقة، تميّزت بالانتقال بالتعليم من الإطار التقليدي إلى التخصص الأكاديمي والمهني الرفيع. وتمثلت أولى الخطوات الإستراتيجية في تأسيس وافتتاح دار المعلمين ودار التمريض والمعلمات ما بين عامي 1958م و1974م لتأمين الاكتفاء التربوي والصحي الذاتي للمقاصد، حيث تولى هذا الدار تخريج طليعة المربّين والممرضات المؤهلين بأعلى المعايير للعمل في مدارس ومستشفى الجمعية، وجرى لاحقاً تعديل نظام دار المعلمين والمعلمات وتطوير مناهجه أكاديمياً عام 1385هـ/ 1965م لمواكبة الشهادات الرسمية للدولة.
الاستثمار الوقفي المعماري: معركة «حرية القرش المقاصدي»
أدرك صائب سلام، بعقليته التجارية والثاقبة، أن استقلال القرار السياسي والتربوي للمقاصد مشروط باستقلالها المالي، وأن التعليم المجاني المستدام يحتاج إلى «أوقاف تجارية دسمة» تدرّ ريعاً ثابتاً وتحمي المؤسسة من العوز أو الابتزاز. فخاض معركة تشييد المراكز التجارية الضخمة والحديثة في قلب مركز العاصمة النابض.
وكان الإنجاز الأول في هذا المسار هو تشييد مركز سبلين في ساحة البرج عام 1383هـ/ 1963م، وهو مبنى تجاري وإداري استثماري ضخم شُيّد في أكثر مناطق وسط بيروت حيوية، ليؤمّن مداخيل مالية ثابتة تصب في ميزانية المدارس المجانية. وأتبعه سلام عام 1388هـ/ 1968م بافتتاح مبنى البازركان الحديث في باب إدريس، في قلب أسواق بيروت التجارية العريقة، ليكون هذا المعلم الهندسي الاستثماري العصري بمثابة العمود الفقري المالي الذي يغذّي مشاريع الجمعية ويضمن سيادتها الاستقلالية الكاملة. ومع حلول العام 1974م، نجح صائب سلام في إعادة هندسة الهوية البصرية، والتعليمية، والاستثمارية لجمعية المقاصد، واضعاً الحجر الأساس المتين لما ستشهده الجمعية من تحولات كبرى وجامعية بالتزامن مع مئويتها التاريخية.
- يتبع في الحلقة العاشرة: العصر الذهبي في ذروته..