انشأ سيدنا إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام بيت مكة الذي أصبح محجاً ومزاراً للعرب وللمسلمين, فهو أول بيت وضع للعبادة في الأرض.
مرَّ على البيت قرونا مناديا بالوحدانية، وما ان هبطت رسالة الإسلام حتى قاد رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام أصحابه لفتح مكة وأخذ المسلمون من جميع الأقطار يتوافدون على هذا البيت إذ ان الحج هو أحد أركان الإسلام لمن أستطاع إليه سبيلا، وهذا ما جعل مكة تمتد مكانتها الروحية بإمتداد الإسلام.
الحج موسم للطاعة يخرج المؤمن فيه من كل غرائز الدنيا ومغرياتها ويتوجه للخالق بقلب وجسد طاهرين من الذنوب برداء بسيط نقي متضرّعا إلى الله تعالى مستغفرا وطالبا الرحمة وقبول التوبة معاهدا بالسير على الصراط المستقيم.
أمرنا الحج بالوقوف في الشعائر المقدّسة نردّد «لبيك االلهم لبيك لا شريك لك» وهي دعوة لنحرّر أنفسنا من التبعية وأن نعبد الخالق العظيم وحده ولا تنحني جباهنا لسواه لان الانحناء لغيره مقدمة للذلّ والانحطاط هذا إذا لم يصل الى بتر الأعناق.
ان وقوف مئات الألوف في مكة سنويا هو تجسيد لفكرة التساوي وتذكير الناس بها كل عام وتذكير العرب بالمهمة التي انتدبها الله عزّ وجلّ لهم حيث أنقذ بيدهم الإنسانية من القوانين المجحفة والعبادات المنحرفة.
ان اجتماع المسلمين في مكة بيوم محدد وشهر معلوم هو لتجديد العزم واستئناف لمؤتمرهم السنوي العالمي إذ يتجهون أينما كان مكانهم تحت الشمس إلى قبلة واحدة وصلوات تجمعهم وتوحّدهم وتجرّدهم من المطامع وتجدّد إرادتهم على التعاون الذي يحميهم ويردّ عنهم كيد الأعداء لان المسلمين إذا وصلوا إلى درجة الاختلاف احتلتهم نزعة الشقاق وتفرّقوا بدل أن يعتصموا بحبل الله وأصبحوا رعايا لسواهم من الأمم كما كانوا في الجاهلية رعايا للروم والفرس.
ما أحوجنا إلى دروس وعِبَر الحج في ظل غزو الأمم الذي يحيط بعقر دارنا يهدّدنا وينذر بمستقبل قاتم كانت شرارته الأولى احتلال فلسطين والآن يفرض بالإذعان توليفة لهجين صهيوني يطلق عليها الدين الابراهيمي ليقضي على معتقدنا الديني ويطمس هويتنا.