البروفسور ميشال فريد الخوري
في الظاهر يبدو أن الحرب على إيران تمضي قدماً في الصراع على النفوذ والأمن في هذه المنطقة، ولكن في الحقيقة إن ما يجري ليس فقط حرباً على الدولة الإيرانية، ولكن على البنية العميقة للاقتصاد العالمي، حيث إن إيران هي نقطة انطلاق وهذه النقطة تسيطر على تدفق الطاقة، على أسعار السلع، على مسار التجارة، وحين تتعرض إيران اللهجوم، فإن البنية العسكرية والسياسية في المنطقة تهتز بالإضافة إلى البنية الاقتصادية العالمية؛ يكفي أن نلاحظ كيف ارتفع سعر النفط بفعل التصعيد العسكري. فالحرب أصبحت مالية وتجارية بامتياز، ومضيق هرمز مؤشراً اقتصادياً بحد ذاته، كما وأنه نقطة الاختناق التي تسيطر على العالم بدلاً من أن يكون ممر لتسهيل عبور الغاز والنفط؛ لذلك نرى أن الحرب الإسرائيلية - الأميركية تهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي وتبدو كأنها حرب على العالم بأسره. من جهة ثانية، نرى أن مشروع «طريق الحرير» الذي أطلقته الصين عام 2013 هو محاولة لتعديل خريطة التجارة العالمية، لكن الحرب على إيران أظهرت اصطدام هذا المشروع بالجغرافيا، وأن الممرات التي يفترض أن تسهّل العبور أصبحت نفسها رهينة التوتر. وهنا يتضح أن الصراع المخفي الذي يدور حول السيطرة على التجارة العالمية لا يرتكز فقط على النفط، بل على الطرق التي يُنقل عبرها، وحول من يملك القدرة على إبقائها مفتوحة أو خنقها.
مضيق هرمز، نقطة تحكم العالم: هذا الممر البحري الضيق الذي لا يتجاوز عرضه في بعض النقاط الخمسة وثلاثين كيلومتراً، يمرّ عبره ما يقارب العشرين بالمئة من الاستهلاك النفطي العالمي، أو 17 إلى 20 مليون برميل يومياً، حسب إحصاءات إدارة معلومات الطاقة الأميركية. إن أي اضطرابا في هذا المضيق يهزّ العالم، وكفيل بأن يُحدث صدمات في أسعار النفط وتعطّل محطات الوقود في أوروبا والمصانع في آسيا. المشكلة الأساسية تنجلي في ظهور أداة اقتصادية بالغة الخطورة بمجرد النظر إلى إمكانية تحكم دولة واحدة (أو شخص واحد) بفتح وإغلاق مضيق هرمز الذي يمكن أن يخفّض أو يرفع أسعار النفط بعشرات الدولارات خلال أيام؛ هذا يعني أن العالم سوف يعيش في حالة تسعير دائم للخطر المتعلق بالمرور عبر هذا المضيق مما يجعل السيطرة عليه سلاح أقوى من النووي. في دراسة لـ «Góes & Bekkers, 2022» حول أثر الصراعات الجيوسياسية على التجارة العالمية، يتضح أن الصراعات العسكرية الكبرى تنتقل من المجال الأمني إلى الاقتصاد. الحسابات تظهر أن التصعيد الأخير في إيران أحدث إرتفاعاً في أسعار النفط من 70 إلى 120 دولاراً للبرميل، أي بزيادة نسبية بنحو 70%. تقديرات البنك الدولي تشير أنه في حالة تعطيل كامل لمضيق هرمز، فقد تصل أسعار النفط إلى 180-250 دولاراً للبرميل، وهو ما قد يدفع التضخم العالمي إلى أن يفوق 5% مع الوقت، ما يعني انهيار في سلسلة الإمدادات وغلاء أسعار الغذاء بسبب ارتفاع تكاليف النقل، الذي يؤدّي إلى تباطؤ في النمو ودخول الاقتصادات في ركود تقني.
طريق الحرير، مشروع يصطدم بالجغرافيا: بدأت الصين فعلياً عام 2013 ببناء طريق الحرير (مشروع الحزام والطريق) من بكين إلى قلب أوروبا عبر بناء طرق واسعة، سكك حديد، موانئ، خطوط أنابيب والتزامات واستثمارات بتريليونات الدولارات. كان من المفترض أن يكون هذا المشروع أداة للصين لتحقيق تغييرات جوهرية في نظام التجارة العالمي لأنه سيجعل الصين تعزز نفوذها في أوروبا، ومن يسيطر على أوروبا يسيطر على الاقتصاد العالمي؛ من جهتها، بدأت أوروبا تتجه إلى إنجاز عقود كبيرة مع الصين. إيران هي نقطة ارتكاز وحلقة ربط بين آسيا وأوروبا في طريق الحرير؛ فمن الواضح أنه من خلال إدخالها في حالة عدم استقرار طويلة الأمد يجعل المسارات التي رسمتها الصين تمرّ فوق جغرافيا غير مستقرّة قابلة للاشتعال. هذا يربك المشروع ويطرح السؤال الأساسي حول إمكانية بناء نظام اقتصادي عالمي جديد دون ضمان استقرار الجغرافيا التي يقوم عليها.
الولايات المتحدة، قيادة العالم: في سياق هذه الحرب، تسعى واشنطن إلى قيادة العالم من خلال تحقيق مجموعة من الأهداف لا تقتصر فقط على منع إيران من إمتلاك سلاح نووي وشل قدرتها البالستية، بل تتصل بإعادة تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط بما يتماشى مع مصالحها الاستراتيجية والمحافظة على الدولار كعملة التجارة العالمية. في مقدمة هذه الأهداف يأتي احتواء النفوذ الإيراني وشل أذرعها في لبنان والعراق واليمن، ومنع تحوّل هذا النفوذ إلى قوة قادرة على تهديد حلفائها، خصوصاً إسرائيل ودول الخليج. كما تسعى واشنطن إلى ضمان أمن النفط عبر مضيق هرمز، ليس فقط لحماية الأسواق وحلفائها، بل أيضاً للحفاظ على موقعها كضامن رئيسي للاستقرار الاقتصادي العالمي. وفي بعد أعمق، ترتبط هذه الحرب بالصراع الجيوسياسي مع الصين، حيث تدرك الولايات المتحدة أن نجاح مشروع طريق الحرير يعتمد على استقرار المنطقة، وبالتالي فإن إبقائها في حالة غير مستقرة يحدّ من قدرة بكين على تحويل نفوذها الاقتصادي إلى نفوذ عالمي. كذلك، تتيح هذه المواجهة لواشنطن تعزيز حضورها العسكري وإعادة تثبيت دورها القيادي في النظام الدولي كأداة لإدارة التوازن العالمي ليس فقط اقتصادياً، بل أيضاً ضامناً للأمن.
الصين، القوة الاقتصادية بلا مظلة أمنية: تبدو الصين كأحد الأطراف الأكثر عرضة للضرر، حيث تعدّ القوة الاقتصادية الصاعدة وتنتج 28% من إنتاج العالم، وتقديرات المحللين تشير أنه بحلول 2030 ستكون الصين أكبر اقتصاد في العالم. الصين تعتمد على استيراد أكثر من 70% من احتياجاتها النفطية، جزء كبير من خلال مضيق هرمز، ومنه 1.5 مليون برميل من إيران (توقّفت)؛ هذا يعني أن أي إضطرابا في هذه المنطقة يهدّد استقرار الصين من الناحية الاقتصادية، وقد واصلت وكالة Reuters تحذيراتها من أن أي تصعيد في الشرق الأوسط يهدّد باندلاع «حلقة تضخمية شرسة» داخل الاقتصاد الصيني، مما يؤثر على الصناعة والإنتاج والصادرات والنمو. في المحصلة النفط من فنزويلا توقّف، والنفط من إيران توقّف، والنفط من دول الخليج عبر هرمز توقّف، وأفق مشروع طريق الحرير أصبح شائكاً لأنه يصطدم بعدم إستقرار الجغرافيا، الذي جعل بعض المحللين السؤال عن إذا ما كان الهدف الأساسي من الهجوم على إيران هو إضعاف الصين عن طريق قطع الوقود والطرقات عنها. لكن المفارقة الأكثر دلالة على التناقضات داخل النظام العالمي هي أن الصين، رغم قوتها الاقتصادية، لا تمتلك السيطرة على الممرات التي تعتمد عليها، بل تستفيد من منظومة أمنية بحرية تحت إشراف الولايات المتحدة، مما يعكس تناقضاً لأن القوة الاقتصادية الصاعدة تعتمد على خصمها الأول لضمان مسيرتها الاقتصادية. فبعد هذا الكم من الخسارة، هل ستتّجه الصين إلى تايوان؛ 90% من أكثر الشرائح الإلكترونية تصنع هناك (كومبيوتر، هاتف، سيارة...)، ومن يسيطر على تايوان يسيطر على التكنولوجيا للعقود القادمة. من هذا المنظور نسأل: هل ستكون المواجهة الأخيرة للجبّارين في تايوان؟
الخليج والسعودية، أرباح وخسائر: تبدو دول الخليج وخاصةً السعودية، مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط الناتجة عن تصاعد الخطر، إذ يتحول كل تصاعد إلى إيرادات إضافية، ولكن المصدر نفسه الذي يرفع الأسعار، أي الخطر في مضيق هرمز، هو نفس المصدر الذي يهدد التصدير النفطي. ولتقليل الاعتماد على هذا المضيق، استثمرت السعودية في خط أنابيب «شرق-غرب» الذي ينقل حوالي سبعة ملايين برميل يومياً من الخليج العربي إلى البحر الأحمر. أما الإمارات، فتستفيد من وجود ميناء الفجيرة خارج مضيق هرمز وعمان أيضاً تستفيد لأن معظم موانئها تقع خارج المضيق، لكن هذه البدائل المهمة لا تعوّض الصادرات عبر المضيق، ولا تشمل باقي دول الخليج (العراق، الكويت، قطر والبحرين) ، مما يعني أن جزءاً كبيراً من الإمدادات النفطية لا يزال مرتبط بمضيق هرمز. كما أن هذا النقل يحوّل الخطر إلى باب المندب، الذي هو ممر حسّاس بدوره، وبالتالي، تبقى المعادلة واضحة إذ يمكن تخفيف الاعتماد على هرمز، لكن لا يمكن تجاوزه بالكامل، ما يجعل أرباح الأزمات النفطية أرباحاً مؤقتة تعيش دائماً في ظل الخطر.
إسرائيل ولبنان وأنابيب النفط: بالإضافة إلى العمل على احتواء النفوذ الإيراني (نووي وبالستي وشل الأذرع) وفرض قوّتها وهيمنتها في الشرق الأوسط، تعمل إسرائيل على استثمار هذا الاضطراب من خلال دفعها نحو مشاريع بديلة تعيد رسم مسارات النفط التجارية. أحد السناريوهات التي طُرحت هي: بما أن الإضطراب أوقف هرمز وقد يوقف باب المندب أيضاً، لذلك، فإنّ إسرائيل تقدّم نفسها كممر لأنابيب نفطيه تصل الدول العربية بالبحر الأبيض المتوسط. من جهة ثانية، يوجد خطّا أنابيب نفط يصلان الخليج بلبنان، خط يصل كركوك العراق بطرابلس عبر سوريا، وخط التابلاين يصل بقيق السعودية بصيدا عبر الأردن وسوريا، وهذان الخطّان اللذان توقفا في الثمانينات من القرن الماضي بسبب الأحداث في لبنان آنذاك يحتاجان إلى إعادة تأهيل ليصبحا جاهزين للعمل. فبالرغم من الوضع الأليم الذي يمر به لبنان، يجب أن يكون أحد أهداف الدولة اللبنانية إعادة العمل بهذين الخطين الذين يخفّفان من الاتكال على الممرات المعهودة، وبهذا يكون للبنان دور أساسي في إعادة تشكيل خريطة تجارة النفط العالمية التي تعتمد على هرمز وباب المندب.
في الخاتمة، بنت الصين مشروعها على فرضية أن التجارة تتجاوز الجغرافيا، لكن حرب إيران تقول لنا أن كل طريق يمر عبر منطقة غير مستقرة هو طريق قابل للإبتزاز، وكل استثمار في البنية التحتية هو رهان يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى رهان يعتمد على صاروخ أو على قرار سياسي. فما بين مضيق هرمز وطريق الحرير يكمن الصراع الحقيقي الذي لم يعد عن من يملك النفط أو الموارد، بل من يسيطر على المسارات التي تحملها. وأكثر ما يقلق القوى الكبرى أن الوجود لم يعد يُقاس بحجم الاقتصاد، وإنما بحجم إمكانية تعطيله، فمن يملك زر الإغلاق والفتح يملك النفوذ، ومن يَستطيع التهديد يفرض الشروط، ما يعني أننا دخلنا مرحلة يتحوّل فيها الاقتصاد إلى ساحة حرب. هذه الطريقة في إدارة الاقتصاد العالمي قابلة للإنهيار لأن عالماً يُبنى على هذا المنطق سوف يتجه حتماً نحو اللحظة التي يفقد فيها الجميع السيطرة دفعة واحدة، وسننتهي... وحينها لن يكون هنالك أحد ليسأل عن من يفتح الممر أو من يغلقه، أو لماذا ركّزت الدول اقتصاداتها على ممرات قابلة للإغلاق. ففي ظل هذه المنافسة الاقتصادية الدموية، يتضح أن طريق الحرير لم يكن طريقاً اللهيمنة الإقتصادية، بل طريقاً محفوفاً بالأوهام، وأن مضيق هرمز ليس مجرد ممر، بل نقطة ضعف جفرافيّة لنظام اقتصادي عالمي في حالة حرب.