التصدير الزراعي... فرصة لبنان لاستعادة النمو الاقتصادي
في خضم البحث عن محركات جديدة للنمو الاقتصادي، غالبا ما يتجه الاهتمام نحو القطاعات المالية أو السياحية، فيما يغيب عن الأذهان قطاع يمتلك مقومات حقيقية لتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، وهو القطاع الزراعي التصديري. فلبنان، بما يتمتع به من تنوّع مناخي وتربة خصبة وخبرة زراعية متوارثة، قادر على أن يتحوّل إلى منصة إقليمية لتصدير المنتجات الزراعية والغذائية، إذا ما توفرت الرؤية والاستثمار والبنية التحتية المناسبة.
يشكّل القطاع الزراعي نحو 3 إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر مصدر دخل مباشر وغير مباشر لعشرات آلاف العائلات اللبنانية. كما تمثل المنتجات الزراعية والغذائية نسبة مهمة من الصادرات اللبنانية، فيما تستحوذ الأسواق العربية، ولا سيما دول الخليج والعراق والأردن، على الحصة الأكبر من هذه الصادرات.
وقبل توقف الصادرات إلى بعض الأسواق الخليجية، كان لبنان يصدر ما يقارب 500 ألف طن من المنتجات الزراعية سنويا، منها نحو 200 ألف طن إلى دول الخليج العربي، بقيمة تجاوزت 240 مليون دولار أميركي. واليوم، ومع عودة الانفتاح العربي على لبنان، تتجدّد الفرصة لاستعادة هذه الأسواق، بل والتوسّع نحو أسواق جديدة في أفريقيا وأوروبا، شرط أن يصبح المنتج اللبناني أكثر قدرة على المنافسة.
غير أن المنافسة العالمية لم تعد تعتمد على جودة المنتج وحدها، بل أصبحت تقوم على كفاءة سلسلة التوريد بأكملها. فالمنتج الذي يغادر المزرعة يحتاج إلى معامل حديثة للفرز والتوضيب، وتقنيات متطورة للتغليف، وسلسلة تبريد متكاملة، ومستودعات تخزين حديثة، وشبكات نقل سريعة وآمنة، إضافة إلى الالتزام بالمعايير الدولية للسلامة الغذائية والتتبع والجودة.
ومن هنا، فإن الاستثمار في البنية التحتية الزراعية لا يقلّ أهمية عن الاستثمار في الأرض نفسها. فكل مركز حديث للتوضيب، وكل براد جديد، وكل مستودع تخزين متطور، يعني انخفاضا في الهدر، وارتفاعا في جودة المنتج، وزيادة في قدرته على الوصول إلى الأسواق العالمية بأسعار تنافسية.
وفي هذا السياق، تبرز المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان (إيدال) كشريك أساسي في إطلاق نهضة التصدير الزراعي. فإيدال تمتلك الخبرة والأدوات القانونية والحوافز الاستثمارية التي تؤهلها لاستقطاب المستثمرين اللبنانيين والعرب والأجانب نحو مشاريع استراتيجية في القطاع الزراعي، تشمل إنشاء معامل الفرز والتوضيب، والبرادات المركزية، ومراكز التخزين، والمنصات اللوجستية، ومراكز التجميع الزراعي في مختلف المناطق اللبنانية.
كما يمكن لإيدال أن تطلق برنامجا وطنيا لدعم الاستثمار في سلاسل القيمة الزراعية، بالتعاون مع وزارات الزراعة والاقتصاد والأشغال والقطاع الخاص، بحيث يربط الحوافز الاستثمارية مباشرة بزيادة الصادرات، وخلق فرص العمل، وتحسين الميزان التجاري.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك العمل على فتح أسواق جديدة أمام المنتجات اللبنانية، وتنظيم بعثات تجارية، والمشاركة في المعارض الدولية، وتشجيع المنتجين على الحصول على شهادات الجودة العالمية، بما يعزز ثقة المستوردين ويرفع القيمة المضافة للمنتج اللبناني.
إن دعم التصدير الزراعي ليس سياسة قطاعية، بل هو خيار اقتصادي وطني. فكل دولار إضافي من الصادرات ينعكس زيادة في احتياطي العملات الأجنبية، وتحسنا في الميزان التجاري، وتنشيطا لقطاعات النقل والتغليف والصناعة والخدمات، وخلقاً لفرص عمل في المناطق الريفية، بما يحد من الهجرة الداخلية والخارجية.
إن لبنان لا يحتاج إلى إعادة اختراع قطاعه الزراعي، بل إلى إعادة تنظيمه وتحديثه وربطه بالأسواق العالمية. وإذا نجحنا في تحويل الزراعة من نشاط إنتاجي إلى صناعة تصديرية متكاملة، فإنها ستصبح إحدى الركائز الأساسية للنمو الاقتصادي المستدام.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تقع على عاتق الدولة مسؤولية وضع استراتيجية وطنية للتصدير الزراعي، تكون إيدال في صلب تنفيذها، لتتحوّل من مؤسسة لتشجيع الاستثمار إلى منصة وطنية لربط الاستثمار بالإنتاج والتصدير، وبذلك يصبح القطاع الزراعي أحد أهم محركات التعافي الاقتصادي في لبنان، لا مجرد قطاع يسعى إلى الصمود و البقاء.
* رئيس مجلس الإدارة - المدير العام
مؤسسة تشجيع الاستثمارات في لبنان (إيدال)






