حين يصبح المكيف قضية وطنية في فرنسا... وتصبح الجبال مباحة في لبنان
أ. د. منذر حمزة
في خضم أزمة مناخية حادّة أودت بحياة نحو ألف شخص في فرنسا خلال موجة الحر الأخيرة، لم ينسَ الفرنسيون البيئة ولا حماية التراث العمراني. فعلى الرغم من هول الكارثة الإنسانية، لم يتحوّل النقاش إلى البحث عن حلول سريعة على حساب البيئة، بل انطلق نقاش وطني واسع حول حدود التوسّع في استخدام أجهزة التكييف وتأثير ذلك على المناخ والمدن والتراث.
وأعلنت الوكالة الوطنية للصحة العامة في فرنسا أن معظم الوفيات سُجلت بين الأشخاص الذين تجاوزوا الخامسة والستين من العمر، فيما ارتفعت الوفيات داخل المنازل بنسبة تقارب 40 في المئة، ما يعكس التأثير الكبير لموجة الحر على الفئات الأكثر هشاشة.
أمام هذا الواقع، دعا بعض السياسيين إلى إطلاق خطة وطنية لتركيب أجهزة التكييف في المدارس والمباني العامة ودور المسنين. في المقابل، حذّر آخرون من أن التوسّع الكبير في استخدام المكيفات يشكّل «حلاً زائفاً»، لأنه يزيد من استهلاك الطاقة ويسهم في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري.
أما المدافعون عن البيئة فيرون أن تعميم استعمال المكيفات يؤدي إلى زيادة ظاهرة «الجزر الحرارية الحضرية»، إذ تطرح الوحدات الخارجية كميات كبيرة من الحرارة إلى الشوارع والأحياء. وتشير الدراسات التي تستند إليها بلدية باريس إلى أن الاستخدام المكثف للمكيفات قد يرفع درجات الحرارة في المدينة بنحو درجتين مئويتين أو أكثر، لتدخل المدينة في حلقة مفرغة: كلما ازداد عدد المكيفات ارتفعت الحرارة، وكلما ارتفعت الحرارة ازداد الطلب على المزيد من المكيفات.
لكن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في النقاش الفرنسي يتمثل في البُعد الحضاري والثقافي. فباريس ليست مدينة أبراج زجاجية حديثة، بل مدينة ذات نسيج عمراني متجانس يعود بمعظمه إلى القرن التاسع عشر. ولذلك فإن تركيب آلاف الوحدات الخارجية للمكيفات على الواجهات قد يشوّه المشهد العمراني ويضرّ بالقيمة الجمالية للمدينة، بل ويمكن أن يؤثر على الوضع التراثي لبعض المناطق التاريخية. ولهذا السبب، لا يستطيع سكان العديد من المباني الباريسية تركيب مكيفات إلّا بعد الحصول على موافقات دقيقة من اتحادات المالكين والسلطات المختصة.
وبدلاً من نشر ملايين المكيفات الفردية، اختارت باريس مساراً مختلفاً يقوم على زيادة التشجير، وتظليل الساحات والشوارع، وتحسين العزل الحراري للمباني، وتطوير شبكة تبريد جماعية تعتمد على مياه نهر السين، والتي أصبحت اليوم من أكبر شبكات التبريد الحضري في العالم.
عندما أقارن ما يجري في فرنسا بما يجري في لبنان، أدرك حجم الهوة بين دولة تحترم القانون وتربّي مواطنيها على حماية البيئة والتراث، وبين دولة تُهمَّش فيها القوانين وتُعطَّل فيها آليات الرقابة والمحاسبة.
يكفي أن ننظر إلى طرابلس، ثاني أكبر مدينة مملوكية في الشرق الأوسط، لندرك حجم الإهمال الذي طال التراث العمراني والثقافي في لبنان. ويكفي أيضاً أن نتابع ملف المقالع وشركات الترابة وما رافقه من تجاوزات بيئية وقانونية حتى يصاب المرء بالذهول.
في باريس يدور نقاش وطني حول تأثير جهاز تكييف على واجهة مبنى تراثي، أما في لبنان فتُعطى التراخيص لجرف الجبال، واقتلاع الأشجار المعمرة، والقضاء على الينابيع وعيون المياه، وتعريض السكان لمخاطر صحية وبيئية جسيمة، وتدمير نوعية الحياة وحرمان المواطنين من أبسط حقوقهم في التمتع ببيئة سليمة ومناظر طبيعية تشكل جزءاً من هويتهم الوطنية.
ان ما جرى وحصل في ملف إعطاء الرخص لعودة عمل شركات الترابة شكّل سابقة لم نشهد مثيلا «لها في لبنان وتدعو للقلق ولا تبشّر بالخير أبدا».
المسألة ليست في وجود المقالع أو المكيفات، بل في وجود دولة. دولة تعتبر البيئة والصحة العامة والتراث الوطني قيماً لا يجوز التفريط بها، وتضع القانون فوق المصالح الخاصة. وهذا بالتحديد ما نفتقده اليوم في لبنان.






