ما شعرت أن الأمس كان سيئا جدا، حتى قامت الثورات وانتفضت المدن، وسال الريف على المدينة، وأعمل معاوله فيها.
ما شعرت أن دورة الحياة في المدينة وفي الريف، قد أخذت تعقل ما حولها، بعدما نزل الريف إلى المدينة للاقتصاص منها، والاشتباك معها، ولاحتلالها، ولا شعرت أيضا أن تحكم الريف في المدينة، يمنحها فرصة لتثقيفها وإغناء مكتباتها، وإدارة الحياة المدنية والإجتماعية، كما السياسية فيها، بصورة أفضل.
حقيقة، ما شعرت ولا علمت ولا تعلّمت، أن سيل الريف على المدينة، منحها فرصة ذهبية للنمو والإزدهار والتقدّم والتمدّن. ولا شعرت بالمماثل، أن الريف، بنزوله إلى المدينة، صار في أحسن أحواله، وأنه صار أكثر إنتاجا، وأكثر غنى، وأكثر مشاريع زراعية، وأن الكروم والبساتين والحقول والينابيع، كما الدارات والبيارات والبيدار، والسهر والسمر تحت الشبابيك، وتحت العرائس في ضوء القمر، صارت جميعها، في أحسن أحوالها، بنزول الشباب والصبايا وهجرة العائلات الريفية إلى المدينة، وإلى ضواحي المدينة.
حقيقة إن من أفسد المدينة وأفسد الريف معا، هو طمع الريف في المدينة، وطمع المدينة في الريف. حينما نهض بعض النافذين في المدينة، للإستحواذ على بعض الريف، وحينما نهض بعض الريف، للإستحواذ على المدينة، كانت عسكرة البعض على البعض الآخر، هنا في المدينة، وهناك في الريف، لمما أدخل المدينة والريف معا في فوضى عظيمة، وصارت أعمال التخريب تطال المدن والقرى، وصارت الثورات المشبوهة المموّلة.
أمس، كان الريف جميلا، وأمس كانت المدينة جميلة، وحين هبّت العواصف بأطماعها، وبنزواتها، وبارتباطاتها، وبأغراضها البعيدة عن مطالب الريف والمدينة، عمّ الخراب، وفسد الريف والمدينة.
العسكرة، هي رأس الحملة على الريف والمدينة. فهل أفلحت العاميات، في إصلاح الشؤون الزراعية؟ وهل أفلحت الثورات، في استنهاض الحياة المدنية؟ ما خرّب الريف، إلّا عندما هبّت العاميات على البيادر وعلى الكروم وعلى البساتين وعلى الحقول، وخربت وأحرقت وهدّمت كل جنى.
أمس، كان جميلا للغاية: الفلاحون منذ الصباح الباكر إلى أعمالهم. ترى الريف في عرس حقيقي، تشتهي أن تعيش فيه. جاءت الثورات والعاميات، فأخرجت الريف عن طوره، وصار الجميع إلى العسكرة.
وكانت المدينة لوحة فنية: هنا الأسواق، هنا الخانات، هنا المعامل، هنا المدارس، هنا المستشفيات، هنا سبل الماء والساحات والمقاهي والفنادق والنوادي ودور السينما، وإشارات السير، والبوليس على مسامير الشوارع، يراقب من يزيح عنها.
فمن عسكر المدينة وخرّبها، وأطفأ شوارعها، وخرّب الحياة العامة فيها، ودفعت إلى الفرز الطائفي دفعا، من أخرج المدينة عن المدينة وتطوّرها.
أمسي كان شاهدا على الريف والمدينة معا. كنت أرى كيف تخرب القرى، من كان يدخل إليها ويخربها. من كان يحرّض للخروج في العاميات وفي الثورات، ومن كان يموّل أعمال التخريب، وقطع خطوط الكهرباء والهاتف ونسف جسور القرى، من كان يحرق الزرع ويجعل النار في الكروم ويعتدي على المشاعات ويسرق الغابات ويحرقها.
أمسي، كان شاهدا على تخريب المدينة وتهجير أهلها، على حرق متاجرها وأسواقها، وإطفاء الأنوار فيها. فمن كان يغلق المدارس، وينظم خروج الطلاب في المظاهرات لتعكير أجواء المدينة؟ من كان يحرق السرايات وقصور العدل، ويقطع الماء والكهرباء، ويقطع الطرقات، ويوقد الفتن بين الطوائف، ويوزع عليها السلاح للإقتتال من الصباح إلى المساء، ويعطّل الحياة العامة فيها؟!
أمس، هو اليوم أيضا، بل أشدّ وأدهى. كل شيء إلى الفوضى مجدّدا، كل شيء إلى الخراب. أعمال التخريب صارت معممة على الجميع، والفواتير والعمولات تدفع بالعملة الصعبة.
حقيقة صار الريف والمدينة من عملاء العملة الصعبة. نادوا على الفوضى الخلّاقة، فهبّ الجميع ولبّوا النداء، كل على طريقته الخاصة: واحد على المكشوف، والآخر: «بكرا منشوف».
والأمر سيّان عندي: أمس، اليوم، وغداً...
أستاذ في الجامعة اللبنانية