بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 حزيران 2026 12:00ص القومية اللبنانية والدولة الملاذ الصلبة الضامنة للأمّة اللبنانية...

حجم الخط
د. حسين محمود رمال*

ليس لبنان مجرد مساحة جغرافية ضيقة على شاطئ المتوسط، ولا مجرد صيغة دستورية قابلة للتبدّل مع تغيّر الموازين السياسية، بل هو فكرة حضارية وتاريخية تشكّلت عبر قرون من التفاعل الإنساني والثقافي والديني والفكري، حتى أصبح يحمل في عمقه معنى الرسالة أكثر مما يحمل معنى الكيان التقليدي المغلق. ومن هنا فإن القومية اللبنانية لا يمكن فهمها بوصفها عصبية قومية ضيقة أو انفعالا جماعيا مؤقتا، بل باعتبارها وعيا وطنيا عميقا يؤمن بأن لبنان يمتلك شخصية تاريخية خاصة، وأن هذه الشخصية لا يمكن أن تستمر إلّا في ظل دولة قوية قادرة على حماية المجتمع والكيان والسيادة والهوية الوطنية.
إن الأمم لا تُقاس فقط بمساحتها أو بعدد سكانها، بل بقدرتها على إنتاج نموذجها الخاص في التاريخ. ولبنان، رغم كل ما أصابه من أزمات وانقسامات وحروب وتدخّلات، ما زال يمتلك قدرة استثنائية على إنتاج المعنى الفكري والثقافي والسياسي. غير أن هذه القدرة تبقى مهدّدة إذا بقيت الدولة ضعيفة أو مترددة أو عاجزة عن الإمساك الكامل بمصير البلاد. ولذلك فإن القومية اللبنانية، إذا أرادت أن تتحوّل إلى مشروع نهوض حقيقي، تحتاج إلى دولة فولاذية تحميها، لا إلى دولة رخوة تتنازعها المصالح والولاءات والمحاور.

أولاً: القومية اللبنانية والدولة الفولاذية

القومية اللبنانية ليست شعارا عاطفيا عابرا، ولا انفعالا جماعيا مؤقتا، بل هي وعي تاريخي وحضاري وسياسي يتصل بفكرة الأمة اللبنانية بوصفها جماعة بشرية كوّنت عبر الزمن شخصيتها الخاصة، ورسالتها الخاصة، ونموذجها الخاص في هذا الشرق المضطرب. ومن هنا، فإن القومية اللبنانية لا تقوم على العصبية المغلقة، ولا على الانغلاق الطائفي، ولا على فكرة التفوّق، بل على الإيمان بأن لبنان وطن الرسالة، ووطن التعددية الفكرية والدينية والثقافية، ووطن القدرة على تحويل التنوّع إلى عنصر قوة لا عنصر تفجير.
غير أن أي قومية لا تحميها دولة قوية تتحوّل إلى مجرد حنين ثقافي أو خطاب أدبي. ولذلك فإن القومية اللبنانية تحتاج إلى دولة فولاذية، أي دولة تمتلك القرار والسيادة والقوة والقدرة على فرض القانون وبناء المؤسسات وحماية المجتمع من التفكك والانهيار. فالدولة ليست تفصيلا إداريا في حياة الأمم، بل هي التعبير الأعلى عن وجودها السياسي والقانوني والدستوري.

ثانياً: الدولة ليست خصماً للقومية بل حارسها الأعلى

في التجارب الحديثة، لم تستطع أي أمة أن تحافظ على شخصيتها من دون دولة قوية. فحين تضعف الدولة، تتقدم الولاءات الجزئية، وتتفكك الهوية الوطنية، ويتحول المجتمع إلى جماعات متنازعة تبحث كل منها عن حماية خارجية أو داخلية. ومن هنا فإن حماية القومية اللبنانية لا تكون بالشعارات، بل بإعادة بناء مفهوم الدولة العليا التي تحتكر وحدها القرار السيادي والأمني والعسكري والاستراتيجي.
إن الدولة الفولاذية لا تعني الاستبداد، بل تعني دولة المؤسسات والقانون والدستور، الدولة التي لا تسمح بتحويل لبنان إلى ساحة مستباحة أو صندوق بريد للصراعات الإقليمية والدولية. وهي الدولة التي تحمي التعددية لا التي تلغيها، وتحفظ الحريات لا التي تخنقها، لكنها في الوقت نفسه ترفض أن تتحوّل الحرية إلى فوضى أو أن تتحول الطوائف إلى دويلات داخل الدولة.

ثالثاً: القومية اللبنانية بين الفكرة الحضارية والرسالة الإنسانية

إن أخطر ما يواجه القومية اللبنانية هو اختزالها في بعد انعزالي أو مذهبي ضيق، بينما حقيقتها أوسع بكثير. فالقومية اللبنانية، في بعدها العميق، تعني الإيمان بلبنان بوصفه مساحة لقاء حضاري وفكري وثقافي. ولذلك فإن قوة لبنان الحقيقية لم تكن يوما في حجمه الجغرافي، بل في قدرته على إنتاج الفكر والثقافة والتعليم والاقتصاد والانفتاح.
ومن هنا فإن القومية اللبنانية لا تتناقض مع الانفتاح على العالم العربي أو المجتمع الدولي، بل تعني أن يدخل لبنان إلى هذا العالم من موقع الشخصية المستقلة الحرة لا التابعة، ومن موقع الدولة لا الجماعة، ومن موقع الشريك الحضاري لا الساحة المستباحة.
إن الرسالة اللبنانية الحقيقية تقوم على بناء نموذج دولة يستطيع أن يثبت أن التعددية ليست لعنة تاريخية، بل يمكن أن تكون مصدر غنى وإبداع واستقرار إذا وُجدت دولة قوية عادلة تحكم الجميع تحت سقف القانون.

رابعاً: القومية اللبنانية والاستراتيجية الوطنية الشاملة

القومية اللبنانية يمكنها أن تبدع الاستراتيجية في شتى محاورها السياسية و العسكرية والاقتصادية والثقافية والعلمية والدبلوماسية، مستفيدة من قدرات اللبنانيين المقيمين والمغتربين المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، ولكن بإمرة الدولة اللبنانية وحدها، لا بإمرة المحاور أو المصالح الخارجية أو الولاءات المتعددة.
فالانتشار اللبناني ليس مجرد حالة اغتراب اقتصادي، بل يمكن أن يتحوّل إلى قوة استراتيجية عالمية إذا أحسنت الدولة تنظيمه وربطه بالمشروع الوطني اللبناني. وعليه، يجب أن تتحوّل القومية اللبنانية إلى (لوبي) لبناني عالمي أي كتلة ضاغطة في مختلف القارات، يدافع عن مصالح لبنان، ويحمي صورته، ويعزز حضوره الاقتصادي والثقافي والسياسي، كما تفعل أمم كثيرة استطاعت أن تحوّل جالياتها المنتشرة إلى قوة تأثير دولية.
إن اللبناني المنتشر في العالم ليس فائضا بشريا عن الوطن، بل امتداد طبيعي له. فحيث يوجد اللبناني المنتج والمبدع والمثقف ورجل الأعمال والأكاديمي والدبلوماسي، يمكن أن يوجد لبنان حاضرا بصورة حضارية راقية. غير أن هذا الحضور يحتاج إلى مشروع دولة يعرف كيف يستثمر طاقات أبنائه، لا أن يتركهم فرادى يتوزعون بين الاندماج الكامل في الخارج أو الحنين الصامت إلى وطن متعب.
ومن هنا، فإن تحويل الانتشار اللبناني إلى قوة قومية منظمة يفترض وجود رؤية استراتيجية شاملة تضعها الدولة اللبنانية، بحيث يصبح المغترب شريكا في حماية الاقتصاد الوطني، والدفاع عن صورة لبنان، وتعزيز حضوره الدولي، والمساهمة في بناء نهضته العلمية والاستثمارية والثقافية.
غير أن هذا الدور لا يمكن أن يتحقق إذا بقي اللبناني المغترب يشعر بأن دولته ضعيفة أو غائبة أو مرتهنة. فالمغترب يحتاج إلى دولة يعتز بالانتماء إليها، لا إلى سلطة متنازعة أو نظام عاجز. ولذلك فإن إعادة الاعتبار للدولة اللبنانية تشكل الشرط الأول لتحويل الانتشار اللبناني إلى قوة قومية عالمية.
إن الاعتزاز بالقومية اللبنانية لا يعني التعصب، بل يعني الاعتزاز بفكرة لبنان الرسالة، لبنان الثقافة والحرية والإبداع والعيش المشترك، لا لبنان العصبيات والانقسامات والحروب الداخلية. فالقومية اللبنانية، في معناها الحقيقي، هي انتماء إلى وطن قادر على احتضان التنوع ضمن وحدة الدولة، لا إلى جماعة مغلقة تخاف الآخر أو تلغيه.

خامساً: السيادة بوصفها شرط بقاء لبنان

لا يمكن الحديث عن قومية لبنانية حقيقية في ظل سيادة منقوصة أو قرار وطني مشتت. فالقومية ترتبط عضويا بفكرة السيادة، لأن الأمة التي لا تملك قرارها لا تستطيع أن تبني مشروعها الوطني الحر.
ومن هنا، فإن استعادة الدولة اللبنانية لدورها الكامل ليست مطلبا سياسيا ظرفيا، بل ضرورة وجودية تتعلق ببقاء لبنان نفسه. فالدولة التي تفقد سيادتها تتحول تدريجيا إلى مساحة نفوذ للآخرين، وتفقد قدرتها على حماية اقتصادها وحدودها ومجتمعها وهويتها.
إن الدستور اللبناني، بما يحمله من مبادئ ميثاقية ووطنية، يفترض وجود دولة قوية عادلة قادرة على صون وحدة البلاد وحماية استقلالها. كما أن القانون الدولي نفسه يقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وعليه، فإن أي مشروع للنهوض اللبناني لا يمكن أن يبدأ إلا من إعادة تثبيت مفهوم الدولة المرجعية العليا فوق الجميع.

سادساً: لبنان بين الدولة الرسالة والدولة الساحة

لقد عانى لبنان طويلا من التحوّل من دولة رسالة إلى دولة ساحة، أي من وطن يمتلك مشروعه الخاص إلى أرض تتصارع فوقها المشاريع الخارجية. وهذا التحوّل كان من أخطر ما أصاب الكيان اللبناني، لأنه أضعف ثقة اللبنانيين بدولتهم، وفتح الباب أمام الانقسامات العمودية والاصطفافات العابرة للحدود.
ومن هنا فإن التحدّي الأكبر أمام القومية اللبنانية يتمثل في إعادة إنتاج فكرة الدولة الجامعة التي يشعر داخلها جميع اللبنانيين بأنهم شركاء في المصير، لا مجرد جماعات تعيش هدنة مؤقتة.
فلبنان لا يُحمى بالخوف المتبادل، بل بالدولة القادرة. ولا يُبنى بالتوازنات الهشة وحدها، بل بوجود مشروع وطني واضح يعيد الاعتبار للجيش والمؤسسات والقضاء والإدارة والاقتصاد والتعليم والثقافة ضمن رؤية سيادية متكاملة.

سابعاً: نحو نهضة لبنانية جديدة

إن أي نهضة لبنانية حقيقية تحتاج إلى إعادة تأسيس العلاقة بين المواطن والدولة على قاعدة الولاء الوطني لا الولاءات المتعددة. فالدولة الحديثة لا تقوم على مجرد التسويات، بل على بناء شعور قومي وطني يجعل المواطن يرى في الدولة مرجعيته الأولى والأخيرة.
ومن هنا، فإن القومية اللبنانية في معناها العميق ليست انفعالا سياسيا، بل مشروع بناء تاريخي طويل يقوم على حماية الكيان اللبناني، وتثبيت السيادة، وتعزيز المؤسسات، وإطلاق طاقات اللبنانيين في الداخل والخارج ضمن مشروع وطني جامع.
وعندما تمتلك الدولة اللبنانية القوة والعدالة والرؤية، يصبح لبنان قادرا على أن يتحوّل من جديد إلى مساحة إشعاع فكري وثقافي وحضاري في الشرق، لا إلى ساحة نزاعات دائمة. وعندها فقط تصبح القومية اللبنانية تعبيرا عن أمة حيّة تعرف نفسها، وتحمي ذاتها، وتبني مستقبلها بإرادتها الحرة تحت سقف دولة قوية، سيدة، عادلة، وفولاذية...
وعليه، فإن القومية اللبنانية لا يمكن أن تُختزل في خطاب وجداني أو في حنين تاريخي إلى أمجاد الماضي، بل هي مشروع دولة وسيادة ونهضة شاملة. فالأمم التي لا تحوّل هويتها إلى قوة سياسية وقانونية ومؤسساتية تبقى عرضة للتفكك مهما امتلكت من إرث ثقافي أو عاطفي. ومن هنا، فإن جوهر المسألة اللبنانية لا يكمن فقط في إدارة التنوّع، بل في القدرة على بناء دولة تجعل من هذا التنوع عنصر قوة حضارية تحت سقف وحدة القرار والسيادة والقانون.
لقد أثبتت التجربة اللبنانية الطويلة أن غياب الدولة القوية لا ينتج توازنا، بل ينتج فراغا تتسلل إليه الانقسامات والارتهانات والتدخّلات الخارجية. كما أثبتت أن الطوائف، مهما امتلكت من حضور اجتماعي أو سياسي، تبقى عاجزة عن بناء وطن مستقر إذا غابت المرجعية الوطنية الجامعة. فالوطن لا يُدار بمنطق الجزر المعزولة، ولا بمنطق التسويات المؤقتة، بل بمنطق الدولة التي تحتكر الشرعية والقوة والقرار الوطني.
إن لبنان لا تنقصه الطاقات، ولا العقول، ولا القدرات البشرية، بل تنقصه الإرادة الصلبة لبناء الدولة. فهو يمتلك انتشارا لبنانيا يكاد يوازي حضوره المقيم، ويمتلك نخبا علمية واقتصادية وثقافية قادرة على جعله في موقع متقدم حضاريا ومعرفيا، لكن كل ذلك يبقى مهدّدا بالضياع إذا بقيت الدولة ضعيفة أو مترددة أو أسيرة الحسابات الضيقة.
ومن هنا، فإن القومية اللبنانية في معناها العميق تعني إعادة إنتاج الولاء للدولة، لا للأطر المتنازعة عليها، وتعني بناء وعي وطني يعتبر أن السيادة ليست شعارا سياسيا بل شرطا لوجود الوطن نفسه و هذا يجب أن يدرس حكما في التعليم الرسمي والخاص. فحين تفقد الدولة قرارها الحر، يتحول الوطن تدريجيا إلى ساحة مفتوحة، وتتحوّل الجماعات إلى مشاريع قلق دائم، ويتراجع الإيمان بالمستقبل لصالح الخوف من الانهيار.
إن الدولة الفولاذية التي يحتاجها لبنان ليست دولة القمع، بل دولة الحسم الوطني؛ الدولة التي تحمي الحريات لكنها تمنع الفوضى، وتحترم التعددية لكنها تمنع التفكك، وتؤمن بالديمقراطية لكنها لا تسمح بتحويلها إلى أداة شلل وانقسام دائم. إنها الدولة التي يشعر في ظلها المواطن أن القانون فوق الجميع، وأن الكرامة الوطنية ليست مادة تفاوض، وأن السيادة ليست تفصيلا قابلا للتجزئة.
وعليه، فإن مستقبل لبنان لن يُصنع بالخطب العابرة، ولا بإدارة الأزمات يوما بيوم، بل بإعادة تأسيس فكرة الدولة بوصفها القيمة العليا الضامنة لبقاء الأمة اللبنانية نفسها و أي نقاش يجب أن يكون في التاريخ المؤسسات لا في الأزقة الضيقة و خلق شعارات طائفية بغيضة. فإما أن ينجح اللبنانيون في بناء دولة قوية عادلة سيدة قادرة على جمع طاقاتهم ضمن مشروع وطني جامع، وإما أن يبقى لبنان معلقا بين الأزمات والتسويات والاهتزازات الدائمة.
وعندها فقط، يصبح للبنان معنى الدولة الرسالة فعلا، لا شعارا، ويصبح الانتشار اللبناني قوة قومية عالمية تخدم وطنها الأم، لا مجرد جاليات موزعة في العالم. وعندها فقط، تستعيد القومية اللبنانية معناها الحضاري الحقيقي: أمة تؤمن بذاتها، تعتز برسالتها، وتحتمي بدولة فولاذية تعرف كيف تصون الحرية والسيادة والكرامة الوطنية في آن واحد.

* باحث أكاديمي حقوقي في القانون الدولي