في أواخر سنة 1947 وبدايات 1948، كانت يافا تبدو مدينة حيّة نابضة بالحياة. المقاهي مفتوحة، الأسواق مزدحمة، المدارس تعمل، العائلات تتزاور، التجار يبيعون ويشترون، والأعياد الدينية تُحتفل بطقوسها المعتادة. حتى عيد الأضحى في أواخر 1947 مرّ على المدينة بطقوسه الاجتماعية والدينية؛ ذبائح، زيارات، تبادل أطعمة، وصلاة عيد في المساجد، وكأن الحياة تمضي في مجراها الطبيعي.
لكن خلف هذه الحياة العادية، كانت عاصفة تاريخية تتكوّن بصمت.
لم يكن أهل يافا يعيشون خارج السياسة أو الأخبار. كانوا يسمعون عن التوترات والاشتباكات وعن ازدياد النشاط الصهيوني المسلح، لكن كثيرين ظلّوا يعتقدون أن الأمور لن تصل إلى الانهيار الكامل، أو أن سلطة الانتداب البريطاني ستمنع الأسوأ، أو أن المجتمع الدولي لن يسمح بسقوط مدينة عربية كبرى بهذا الحجم والأهمية.
وهنا تكمن إحدى أعظم المآسي في التاريخ: أن تستمر الحياة عادية فيما تكون أسسها تتصدّع بصمت.
ففي الوقت الذي كانت فيه العائلات اليافية تمارس حياتها اليومية، كانت منظمات صهيونية منظّمة ومسلّحة، كـ«الهاغاناه» و«الإرغون» و«ليحي»، تستعدّ عسكرياً وسياسياً وتنظيمياً لمواجهة حاسمة. كانت تملك رؤية، وتنظيماً، وتمويلاً، وخططاً واضحة. أما المجتمع الفلسطيني في المدن، رغم غناه الثقافي والاجتماعي، فكان أكثر تشتتاً وأقل استعداداً لحدث وجودي بهذا الحجم.
يافا لم تسقط فجأة.
لقد بدأت بالسقوط حين بدأ أهلها يعتادون الخطر، وحين اختلطت الأخبار المقلقة بروتين الحياة اليومية، وحين بقيت الثقة قائمة بأن جهة أخرى - بريطانيا أو العرب أو المجتمع الدولي - ستمنع الكارثة.
في الأشهر الأخيرة قبل سقوط المدينة في أيار/مايو 1948، كان بعض السكان لا يزالون يعتقدون أن النزوح سيكون مؤقتاً، وأن الأمور ستعود إلى طبيعتها خلال أسابيع. كثيرون خرجوا بمفاتيح بيوتهم ووثائقهم وبعض مقتنياتهم معتقدين أنهم سيعودون قريباً. ولم يعودوا.
وهنا لا يصبح الحديث عن يافا مجرد استذكار تاريخي، بل سؤالاً موجهاً إلينا نحن اللبنانيين اليوم.
هل نعيش نحن أيضاً شيئاً من وهم الحياة الطبيعية وسط تصدّعات أكبر منا؟
حين يرى اللبناني انهياراً اقتصادياً، وتهجيراً داخلياً، وقلقاً أمنياً، وقرى مدمّرة في الجنوب، وانقساماً سياسياً عميقاً، وشللاً مؤسساتياً، ثم يواصل حياته اليومية وكأن كل شيء مؤقت وعابر، فهل يكون ذلك علامة على التكيّف الصحي... أم على الاعتياد الخطير؟
الدرس الذي تعطيه يافا ليس أن الخوف يجب أن يحكم المجتمعات، ولا أن الناس كانوا مقصّرين أو جبناء. فالإنسان بطبيعته يبحث عن الاستقرار ويتمسّك بروتين حياته حتى في أحلك الظروف. لكن الدرس الحقيقي هو أن المجتمعات قد تخسر مستقبلها حين تفقد الإحساس بالإلحاح، أو حين تستبدل الاستعداد بالأمنيات.
لقد عاش أهل يافا حياتهم بصورة طبيعية لأنهم لم يدركوا بالكامل سرعة التحول التاريخي الذي كان يتشكل حولهم. لم يكن ينقصهم الذكاء أو الوطنية، بل كان ينقصهم أحياناً إدراك أن الزمن السياسي يتحرك أسرع من الزمن الاجتماعي.
وهذا ربما أخطر ما في الأزمات الكبرى: أن الناس تقيس الخطر بمقياس الأمس، فيما العالم يتغيّر بسرعة الغد.
إن تحويل ذكرى يافا إلى مجرد رثاء أو بكاء على الأطلال لا يفيد أحداً. أما تحويلها إلى وعي تاريخي، فذلك قد يكون بداية الحكمة.
فالمدن لا تضيع دائماً بسبب هزيمة عسكرية فقط، بل قد تضيع أيضاً حين يظن أهلها أن الزمن ما زال متاحاً، وأن الآخرين سيحمون مصالحهم، وأن الحياة العادية كافية لردّ الأخطار الاستثنائية.
يافا ليست مجرد قصة مدينة ضاعت. إنها تحذير دائم من هشاشة الحياة الطبيعية عندما تتحرك مشاريع كبرى فيما الناس منشغلون بمحاولة العيش العادي.
للذكرى... وللتاريخ.