في بلد العجائب، لا يمر قرار صحي أو حتى بكتيريا صغيرة من دون أن تتحول إلى قنبلة طائفية وسياسية تُطلق في سماء «البازار اللبناني» الحافل بالصراخ والاتهامات المتبادلة. ومؤخراً، كانت «بسودوموناس إيروجينوزا» – البكتيريا التي اكتشفت في مياه تنورين – هي بطل مسلسلنا السياسي الجديد!
مع قرار وزارة الصحة المفاجئ بسحب مياه «تنورين» من الأسواق بعد اكتشاف البكتيريا، وبدلاً من أن نسمع: «صحتكم تهمنا»، سمعنا أصوات النشاز المغلفة بالطائفية، التي صوبت سهامها في الحملة نحو حزب الله، والسبب بسيط ان وزير الصحة محسوب على حزب الله!، حيث انطلقت الاتهامات في كل الاتجاهات. كيف؟ ببساطة: هذه بكتيريا «حزبية»، دخلت الأنابيب لتسمم اللبنانيين، لأننا ببساطة في لبنان، لا توجد بكتيريا بريئة، ولا مياه نقية، بل كل شيء له لون وانتماء!
ليس هذا فحسب، بل سرعان ما تحولت حملة سحب المياه إلى أشبه بـ«نزع سلاح» على طراز لبناني: «سحبوا مياه تنورين.. منسحب السلاح»! فالبكتيريا صارت سلاحاً بيولوجياً طائفياً، والقرار الصحي صار ساحة حرب بين «مسيحي» و«مسلم»، «معارض» و«مؤيد»، وحزب وأخر!
والأغرب من كل ذلك؟ أن اللبناني العادي، الذي اكتشف منذ زمن طويل أنه يشرب ماءً قد يحتوي على كل أنواع «المكونات الإضافية» من براز وحشرات وأيادٍ خفية، لا يجد سوى أن يضحك على هذه المسرحية الهزلية التي لا تنتهي.
لبنان بلد العجائب، حتى المياه عندنا «مسلحة» وطائفية. فلا تشرب إلا إذا عرفت «هوية» الماء، وإلا لا ماء!