يبدو أنّ المبعوث الأميركي توم براك قرّر أن يختم رحلته إلى لبنان بخطاب وداعي من فئة «يا أنا يا ما في حدا»، إذ أعلن أنّ زيارته المقبلة ستكون الأخيرة، وأنّ أمام لبنان فرصة تاريخية لا تتكرّر: إمّا أن يخلع سلاح حزب الله، أو أن يخلع هو نفسه من خريطة الاهتمام الأميركي.
اللبنانيون استقبلوا الرسالة بمزيج من الذهول والقهقهة، فكيف لا، وبلدهم الذي لم يسأل عنه أحد منذ أيام المتصرفية يُهدَّد اليوم بأن يُترَك لمصيره! وكأنّ أميركا كانت طوال هذه السنوات تتابع نشرات الأخبار اللبنانية بدموعٍ في عينيها.
يبدو أن توم براك جاء هذه المرة بمزاج «المعلّم في آخر السنة»، يريد أن يعطي التلامذة إنذاراً أخيراً قبل الطرد من الصف. «تعلّموا الدرس، تفاوضوا مع إسرائيل، وسلّموا السلاح»، قالها وهو يلوّح بورقة صفراء عنوانها «الفرصة الأخيرة».
لكن في بيروت، حيث الأزمات تتكاثر أسرع من تصريحات السياسيين، تلقّى الشعب التحذير الأميركي بحكمة لبنانية عريقة:يعني إذا ما سلّمنا السلاح، رح تتركونا؟ والله ما نحنا تاركين حالنا من زمان!»
أما الرؤساء الثلاثة فسوف يستعدوا لاستقباله كما يستقبل اللبناني موجة الشتاء جديدة: بابتسامة دبلوماسية وطوفان بالشوارع.
الرئيس سيستمع، ورئيس الحكومة سيعد بالتفكير، ورئيس المجلس سيذكّره بأنّ لبنان بلد الحوار… منذ 1943 وحتى إشعار آخر.
الردّ على المطالب الأميركية ستكون بلغة واقعية لا تعرفها واشنطن: «نزع السلاح بالقوّة؟ نحنا منجرب نمنع شاحنة خبز تسكّر الطريق، بتقوم الحرب الأهلية! فكيف بالسلاح؟».
وفي النهاية، يبدو أنّ براك سيغادر كما جاء، محمّلاً بالتحذيرات والتقارير، تاركاً خلفه شعباً لا يخاف من العزلة… لأنه يعيشها يومياً، وشعور «النسيان الدولي» صار عنده مثل الخبز اليومي، لا طعم له ولا مفاجأة.