تعلّم من هذا الرجل
محمد السيد
إذا كانت الموهبة هبة من الله يختصّ بها فئة قليلة من الناس، كتّاباً وشعراء وموسيقيين وعلماء أفذاذ، هبة لا تفسير لوجودها عند فرد دون آخر، فليس معنى ذلك أن الله ظالم ليحرم الآخرين، بل أعطى لكل فرد ميزة يستفيد منها إذا أحسن الاستفادة، هذه الهبات ليست مطلقة فهي تحتاج لرعاية وتغذية مثلما يحتاج النبات إلى الماء وإلّا جفّ ويبس.
إذن العقول تنمو بالرعاية، هذه الرعاية تنمّي العقل وتصل به إلى الإبداع، وآخر يهمل فيصيب عقله الجفاف، وهذا ليس من الله، بل من الإنسان نفسه، فهو يختار طريقه، فالمجتهد ليس كالكسول، والذي عنده إرادة وهدف، ليس كالذي ينتظر الصدفة والحظ.
هناك تعبير يقول إن على أي شخص أن يموت ويبعث، معنى ذلك أن الخطأ ليس خطاً مستقيماً سواء للمبدع أو الرجل العادي، فالطريق لا يخلو من النتوءات والتعرّجات والعقبات، لكن الذي ينتظر غير ذلك الذي يعمل ويسعى، فالنشاط والمثابرة على تغذية عقله يصل إلى هدفه، هنا يظهر الفرق بين الرجال بين من يغذّي عقله وبين من يهمله. فالضعيف يستسلم، وصاحب الإرادة يقول لا للكسل، يقرأ يوميا، يقظ نشيط لا يستسلم للعقبات.
صاحبنا الذي نتكلم عنه كانت حياته شاقة، في الثانية عشرة من عمره فَقدَ أباه واضطر لترك المدرسة وعمل في حرفة البناء، ثم إسكافيا، وتنقّل بعد ذلك بين العديد من المهن الوضيعة.
لكنه لم يستسلم لكل هذه الصعاب، فظلّ يدرس طوال الليل حتى استطاع التفوّق في الدراسة، وعلّم نفسه العربية والإنجليزية والفرنسية واستطاع أيضاً أن يلتحق بالجامعة الأميركية في بيروت متفوّقاً على أترابه الأصغر سنّا وظفر ببعثة إلى كلية كمبردج في بريطانيا وظفر بشهادة الدكتوراه بالأدب العربي. لكن إذا قلنا أنه وصل إلى نهاية فاشلة بعد هذا الجهد والعطاء والتفوّق وأحلام وطنه وأمته.
أتمنى على القارئ أن لا ينظر إلى الناحية السوداء ويرجع إلى غريزته، الغيرة والحسد، بل يتعلّم من إنجازات هذا الرجل من ضعف وأن يكون مثلاً يُحتذى.
فشل في محاولاته العاطفية، عجز عن إنشاء أسرة طبيعية، وعلى المستوى العام أخلص لقومه ووطنه وأمته، فلقومه أن يعيشوا مع مواطنيهم وأن تكون أحلامهم كأحلام مواطنيهم، لكنهم لم يكونوا على مستوى طموحه وحبّه لهم، فدفعوا ثمناً غالياً لتعصّبهم وهو أراد إنقاذهم من أفكارهم السيئة، وعلى المستوى الوطني، لم يستطع إنقاذ وطنه من هذا الفساد والطغمة الحاكمة. وعلى المستوى القومي حلم بالوحدة العربية والمشروع الناصري الذي أحبّه حبّا بالإنسان المقهور، وتوقف إبداعه الشعري، ولما شاهد الدبابات الإسرائيلية وهو واقف على شرفة منزله على أبواب بيروت، وجد نفسه غير قادر على إعطاء شيء وأبت نفسه أن يبقى يأكل ويشرب وينام فأطلق النار على رأسه.






