«الخبيصة»
الدكتور مازن جبري
تنتمي إلى الحلويات البيروتية العتيقة والعريقة، وتختصر ذاكرة مدينةٍ بأكملها. أحجارها الكريمة هي الجوز؛ فإذا كان أخضرَ كان ألذَّ. ويغطي هذا الجوز سطحها من الأعلى، بينما تحدّه من الأسفل خلطةٌ من النشاء والسكر وماء الزهر، بلونها الرمادي، لتبدو كأنها بلاطةٌ من السيراميك تتخلّلها قطعٌ صغيرة من كسر البلاط ذات الألوان المختلفة عن لونها الأساسي.
هذه الصناعة الغذائية البيروتية كانت مخبأةً في مكانٍ ما على رفوف ذاكرتي، حتى نفضت عنها الغبارَ إحدى الدعوات في عروس بيروت، طريق الجديدة، وكانت سيّدة السفرة آنذاك الخبيصة، كما كانت أمي سيّدة المنزل والذوق، وبفضلها تعرّفت إليها.
إنها جزءٌ غذائيٌّ مهم من التراث البيروتي، ولا سيما لدى العائلات المتوسطة الحال والفقيرة. فكلفتها زهيدة، وطعمها يُشعرك بالانتماء. وفي معظم محال الحلويات في بيروت قلّما أجدها في واجهات العرض؛ فقد وجّه أصحابها اهتمامهم إلى أنواعٍ أخرى من الحلويات، ولا سيما الحديثة منها، ربما لأنها أكثر طلبًا، أو لأن الخبيصة أضحت خارج ذائقة العصر لدى الأجيال الشابة في بيروت.
وبعد أن يتجاوز الشهرُ نصفه، ويكون الراتب قد تآكل جلُّه جرّاء المصاريف، كانت أمي لا تتوانى عن إعداد الخبيصة أسبوعيًا. وما إن ننتهي من الغداء حتى ننكبَّ على تناولها بنهمٍ وشهيةٍ عالية.
ستبقى بيروت سيّدة العواصم العربية، ومناخَ الرجولة والقبضايات، والبيئةَ المثاليةَ للمرأة في الإبداع والانفتاح وصناعة الحلويات. وستبقى الخبيصة، كما بيروت، شاهدةً على زمن البساطة، حين كانت المائدة تجمع القلوب قبل أن تجمع الأطباق.






