بيروت - لبنان

اخر الأخبار

حكايا الناس

1 تشرين الثاني 2025 12:00ص رماد السهل

حجم الخط
في تلك الأزمنة البعيدة، قامت قرية صغيرة اسمها السهل عند حافة النهر. كانت أرضها خصبة، وماؤها عذبًا، ذات فجر، وطأها الغزاة، فحمل الرجال سيوفهم القديمة، ووقفوا عند تخوم القرية. غير أن مجلس الشيوخ اجتمع سرًّا تلك الليلة، وقال كبيرهم:«الحرب ليست لنا. دعوهم يدخلون، فلعل فيهم خيرًا أكثر من ملوكنا».
ولما اعترض شابٌ منهم اسمه نديم، قال الشيخ وهو يبتسم: يا بني، الريح لا تُقاوَم. من يقف في وجهها يُكسر، ومن يماشيها ينجو.»
في الصباح، فتحت القرية أبوابها للغزاة، واستقبلتهم بالورود والخبز والملح.
ومنذ ذلك اليوم تغيّر كل شيء. صار الغريب سيد الأرض، وصار الشيوخ وسطاءه. أمّا نديم، فهرب إلى الجبال، وعاش هناك يراقب وطنه يُباع قطعة قطعة، حتى مات صامتًا، ودفنه الرعاة دون شاهد.
بعد مئة عام، لم يبقَ من «السهل» إلا الاسم. على أنقاضها، قامت مدينة حديثة تحمل اللافتات والأنوار. الناس فيها يتحدثون عن الحرية والاستقلال، لكنّ الريح القديمة كانت ما تزال تهبّ من الجهة نفسها.
في تلك المدينة، كان شابٌ آخر، يُدعى سامي،  يعمل صحافيًا، سأل أحدهم في مقابلة علنية:
«كيف نُسمّي من يمدّ يده لمن يحتلّ قراره؟» ابتسم المسؤول وقال:نُسمّيه حكيمًا. فالسياسة فنّ الممكن.»
في المساء كتب سامي  في مذكراته:«قالوا في الماضي: من يساير الريح ينجو. لكنهم لم يقولوا إنه، حين تهدأ الريح، لن يجد أرضًا يقف عليها.»
في اليوم التالي، نشر سامي مقالته الأخيرة، كتب فيها:«الخذلان لا يأتي دفعة واحدة، بل يبدأ بكلمة، بصفقة، بابتسامة في وجه من يسرقك.الغريب لا يقتلنا بالسلاح، بل بما في داخلنا من خوفٍ ورغبةٍ في النجاة الفردية.لقد صارت بلادنا مرآةً للسهل القديم، تعيد المشهد نفسه بأزياء جديدة.»
أخبار ذات صلة