بيروت - لبنان

اخر الأخبار

حكايا الناس

3 كانون الثاني 2026 12:00ص ظلّ التاج

حجم الخط
في قديم الزمان، كانت مدينة تُحكم بملك يضع تاجًا من ذهب، لكنه لم يكن يرى به سوى لمعانه. كان يقول لشعبه إن العدل يسكن قصره، بينما كان القصر محاطًا بأسوار عالية تخفي أنين الجياع.
لم يكن الظلم يظهر فجأة، بل تسلّل ببطء. أُغلِقت أبواب النصيحة، وصار الصدق تهمة، وأصبح القرب من القصر أثمن من القرب من الحق. القضاة يكتبون أحكامهم قبل سماع الشكوى، والجنود يحرسون القانون لا ليُطبّق، بل ليُخيف. أما من حاول الكلام، فكان يُتَّهَم بإثارة الفوضى، وكأن العدل خطر يجب الحذر منه.
في السوق، كان الشيخ صاحب الساعات القديمة يراقب كل ذلك بصمت. كل ساعة عنده كانت تحكي حكاية حاكمٍ مضى، وشعبٍ صبر أكثر مما يجب. وكان الصبيّ يسأله: "لماذا لا تصلح الساعات؟” فيجيبه: "لأن العطب ليس فيها، بل فيمن يرفض أن يعرف الوقت الحقيقي.” كبر الصبي، ومعه كبرت الأسئلة في صدور الناس، حتى صار الخوف نفسه متعبًا.
كل يوم، كان الملك يغيّر القوانين، لا ليصلح، بل ليُطيل بقاءه. وكلما ارتفعت الضرائب، خفَتَت الأصوات. وحين اشتكى الناس، قال الحُجّاب: "هذا من أجل أمن المملكة”.
مرت السنوات، وصدِئ التاج فوق رأس الملك، لكنه لم يشعر. أما المدينة، فقد تعلّمت الصمت، حتى صار الصمت أثقل من القيود.
وفي ليلةٍ بلا قمر، توقفت ساعات الشيخ جميعها في لحظة واحدة. وفي الصباح، استيقظ الناس ليجدوا القصر خاليًا، لا ملك ولا حُجّاب. لم يسقط الحكم بثورة، بل سقط لأن الزمن — أخيرًا — قال كلمته.
ومنذ ذلك اليوم، علّق أهل المدينة تاجًا صدئًا في الساحة، وكتبوا تحته «السلطة التي لا تسمع، لا تدوم»، ولكن في لبنان حكم الفاسدين لا ينتهي لأن الوراثة تحكم المشهد.
أخبار ذات صلة