كان في زمنٍ ليس ببعيد، زمنٌ عاد فيه الحصار كما يعود الليل بعد غروب الشمس، خنق مدينةً اسمها «العزّة»، ضاقت فيها الأنفاس، وأُطفئت الأنوار، وسُدّت الطرقات.
وفي ذلك الزمان، خرجت قافلة الصمود، تشقّ الأرض من مشارقها ومغاربها، رجالٌ ونساءٌ من كل بلاد الأرض، لا يحملون سيفًا، ولا بندقية، وإنما يحملون دواءً، وغذاءً، وأملًا، متجهين صوب المدينة المحاصرة، كما لو أنهم يعبرون بحرًا من العتمة بحثًا عن ضوء العدالة.
تمامًا كما جاء في قصة أصحاب الأخدود،ما أشبه الأمس باليوم؛ قافلة الصمود التي وصلت إلى المياه الإقليمية في غزة، كانت تحمل «شعوبًا» آمنت بقضية غزة، عكس حكّامهم الذين باعوا القضية منذ زمن بعيد.
في الرواية القديمة، حُفرت الأخاديد، وأُضرمت النيران، ليُلقى فيها من قال: ربي الله.
وفي هذه القصة، انتشرت البوارج الحربية، وزُرعت الألغام، وتربّصت الطائرات، ليُمنع من قال: فكّوا الحصار عن غزة.
ومع ذلك، كما لم يخشَ أصحاب الأخدود النار، لم تخشَ قافلة الصمود القيود.
وكان لسان حال كل من كان على السفن الصامدة:
«إن سُجِنا، فنحن أحرار الضمير.
وإن مُنعنا، فصوتنا عبر الحدود يسير.
وإن استُشهِدنا، فدماؤنا ستكتب للعالم تقريرًا.»
وقد كتب أحد الأطفال في غزة، حين سمع بقدوم القافلة:
«أخبروا الذين يأتون من خلف البحر، أننا ننتظرهم كما انتظر أصحاب الأخدود نصر الله،
فإما نصرٌ يُكتب، أو شهادةٌ تُروى.»
وصلت القافلة إلى أقرب نقطة من غزة، أُطفئت إشارات الأقمار، وارتفعت أصوات الطائرات، وقيل لهم: ارجعوا... أو انتظروا المصير.
لكنهم لم يرجعوا.
فكما أن النار لم تُطفئ نور أصحاب الأخدود، لم يُطفئ التهديد عزم «قافلة الشرف»، اعتُقلوا وسُجنوا، بانتظار أن تتحرك ضمائر العالم والدول...