بما أنّ المثل الشعبي قالها منذ آلاف السنين «خليّها بالقلب تجرح.. ولا تطلع لبرّا وتفضح».. وبما أنّنا أصبحنا في زمن تفشّي «وباء التنمّر» بشكل مُخيف.. حتى غدا أخطر من «كورونا».. وفي بلدٍ تتقاذفه الأزمات والهمّ النفسي يُثقل كواهل معظم اللبنانيين.. فإنّ الهروب إلى الصمت أصبح الحل الأسلم!!
نعم فعلى ما يبدو أنّ البعض وتحت وطأة الهمّ المعيشي.. وبينما يستيقظ هذا الشاب على انقطاع الكهرباء.. ولا يجد وسيلة نقل تقلّه إلى جامعته.. أو أبٍ يبحث عن دواء قلبٍ لوالده ولا يجده.. أو أمّ تنهكها الأسعار وهي تُسعى لتوفير وجبات الطعام من أجل صغارها... آثروا الصمت الأكثر ثقلاً من وجع الكلام!!
أمام هذا الواقع الأسود.. لجأ البعض إلى ما لا ولم يخطر على بال أحد.. «الدردشة مع الذكاء الاصطناعي».. نعم فقد تحوّلت هواتفهم الجوّالة إلى «صديق افتراضي».. يكتبون له أو يخاطبونه بالصوت بما لا يجرؤون على قوله أمام البشر.. يسردون آلام وحدتهم وشعورهم باللاجدوى.. يبكون انكساراتهم التي تكبر كلّما حاولوا وضع الرأس على الوسادة.. فيردّ عليهم الصديق Chatgpt بنبرة باردة.. لكنّها منمّقة الكلمات وممزوجة بالكثير من الرحمة.. التي فقدها المحيط اللاهث وراء لقمة العيش ولا يملك وقتاً للإصغاء.
وتمر ساعات الليل أحياناً بين شكوى وتنهّد ومحاولات البحث عن المُزَاح.. أو أقلّه ما يُسمّى بـ»الفضفضة».. وحتى خلال ساعات النهار وفيما اللبنانيون يجرون خلف متطلبات حياتهم كـ»جري الوحوش».. فإنّ صرختهم وصلت للاستعانة بالصديق الافتراضي.. فيُعين هذا على التيسير.. ويساعد ذلك على التدبير.. ويوفّر على ثالث عناء التفكير «ما تفكّر نحن منفكّر عنّك».. حتى تحوّل إلى «حمّال أسيّة»!!
ولو عمّقنا النظر قليلاً ليس أكثر.. سنكتشف هوّة كبيرة بين الإنسان والآخر.. ويتبيّن بوضوح أنّ «القصة ليست قصّة برنامج فقط».. بل هي حكاية شعب يبحث عمَّنْ يسمعه.. شعب يخاف الانهيار فتتراكم همومه.. شعب يخجل من البوح بوجعه فيتعرّض للوصم.. شعب ضاع بين أزمات اقتصادية لا تنتهي وحلم وطن يبتعد كل يوم أكثر.. ليبقى السؤال مُعلّقاً: هل يحقّ لإنسان أنْ يجد عزاءه في كلماتٍ يكتبها برنامج؟!.. أم أنّ هذه علامة خطر على مجتمعٍ ترك أبناءه يواجهون مصيرهم بالصمت؟!