لا تقاربوا السياسة، في لحظات التحوّل الكبرى فقط، بالحبر الرسمي، بل ينتظر أن تُنسج بخيوط خفية من العلاقات الناعمة والوساطات الى تقاطعات المصالح. هكذا يتأرجح مشهد الوصول إلى وقف إطلاق النار في لبنان: مزيجٌ من دبلوماسية معلنة تقودها الدول الكبرى، وأخرى صامتة تديرها شخصيات تعرف كيف تتحرك بين الخطوط وفوقها وتحتها. وفي قلب هذا المشهد، بدأ الرئيس نبيه بري كأحد أبرز مهندسي التوازن بين الداخل اللبناني المتشظي وتعقيدات الإقليم الساكن في ما لست تدري.
لم تكن المفاوضات التي قادتها الولايات المتحدة وتقودها مع لبنان سوى لوح زجاج الواجهة الرسمية لمسار طويل وأكثر تعقيداً. لماذا؟ لأن لبنان، بتكوينه السياسي الفريد والذي لا يمكن تحديده، لا يستجيب فقط للقرارات الحكومية، بل يتأثر بشبكات من القوى المتنوعة التي تمتد جذورها إلى ما هو أبعد من المؤسسات بالمعاني الرسمية من لبنان الى العالم . وهنا تحديداً، يبرز دور حزب الله كفاعل أو مردود أفعال لا يمكن تجاهلها ولو انها انحدرت من السيد حسن نصرالله الى ما لا يتسع له المقال من أسماء مسؤولين وخطباء حمر الوجوه، سواء جاءوا من الميدان وهم فيه أو بدو ينفعلون في ترتيب حسابات الردع.
وسط هذا التشابك الذي بلغ نقطة الـ... إملأوا الفراغ، لعب نبيه بري دور «المترجم السياسي» الصعب بين لغتين: لغة الدولة ولغة المقاومة. هو ليس مجرد رئيس لبرلمان، بل حامل لذاكرة عسكرية سياسية محلية وإقليمية وحتى دولية ممتدة منذ ما قبل الحروب الأهلية، وصاحب أوسع علاقات متينة داخل البيئة الشيعية في لبنان وخارجه وصاحب نكتة وقفزات وقفشات وتلميحات ألفها الأذكياء في لبنان. هذه المكانة جعلت منه قناة مفتوحة وموثوقة لطرح كما لنقل الرسائل، ولكن الأهم، لضمان تنفيذها وإلّا تبقى في البلعوم. الدبلوماسية سيدي القارئ وسيدتي بالطبع ليست، في جوهرها فقط اتفاقاً أو مشروع اتفاق على الورق، بل قدرة على تحويل التفاهم إلى التزام وقوة وهدوء فسلام أمامنا غير أن ما جرى لم يكن جهداً فردياً.
في الخلفية، تحركت قنوات عربية وإقليمية ودولية بصمت قديم مكبوت، مستفيدة من تقاليد عريقة في نسج الوساطة، حيث تُحلّ الأزمات بعيداً عن الأضواء، وتُبنى التسويات على قاعدة «لا غالب ولا مغلوب». هذه الروح، التي طالما ميّزت الدبلوماسية العربية، التقت مع براغماتية دولية تسعى إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع تكاد تبث روائحها العالمية حروبا لا نعرف او نقدر هوياتها.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور البيت الأبيض على الإطلاق، الذي بدا، في هذه المرحلة، أقرب إلى نقطة التقاء غير تقليدية لا تنام بين دوائر النفوذ الكبرى. فإلى جانب الحسابات الاستراتيجية المعتادة، برز عامل شخصي لافت يتمثل في شبكة العلاقات العائلية التي أهملت وهي المحيطة بالرئيس دونالد ترامب.
يلتقي هناك في هذه الدائرة كلّ من مايكل بولس، المتزوج من ابنة ترامب، وجاريد كوشنر، زوج ابنته الأخرى، وهو شخصية ذات حضور بارز في ملفات الشرق الأوسط. العلاقات اللبنانية - الاسرائيلية فلشت البساط في غرف البيت الأبيض.
صحيح أن السياسة لا تُدار رسمياً بمنطق القرابة، إلّا أن هذه الشبكة العائلية تضيف طبقة غير مرئية من التفاعل، حيث تتقاطع المصالح الشخصية والاستراتيجية.
مخايل لا مايكل بولس، بحكم خلفيته اللبنانية، يمثل جسراً اجتماعياً وثقافياً نحو المنطقة، فيما يحمل عديله جاريد كوشنر الاسرائيلي إرثاً من الانخراط في ملفات حسّاسة، لا سيما في ما يتعلق بالعلاقات الإقليمية. هذا التلاقي، وإن لم يكن معلناً وهو مهما حول أطباق التفاوض، يعكس كيف يمكن للدوائر الضيقة أن تؤثر، ولو بشكل غير مباشر، في مناخ القرار.
ويظهر اللافت في هذه التعقيدات أن النجاح لم يكن ولن يأتي نتيجة ضغط خارجي فقط، بل ثمرة توازن دقيق للعظمة الدولية بين الإقناع والاحتواء لا الحرب. ليس سهلا أن تصبح إيران دولة عظمى في أحضان روسيا والصين وباكستان للتفاوض مع أميركا رافعة بيدها حزب الله وبيده صواريخ ذرية رغم قوته العسكرية وإسرائيل تأكل الجنوب اللبناني جسرا جسرا وعشبة عشبة. يدرك قليل من العقلاء حساسية البيئة اللبنانية وتعقيدات المشهد الإقليمي بما يجعله أكثر قابلية للاستجابة حين تأتي الرسائل عبر قنوات يثق بها. الرئيس بري، بحكم موقعه، كان القادر على تقديم هذه الرسائل بصيغة لا تبدو أبدا إملاءً خارجياً، بل خياراً وطنياً يحافظ على الجنوب ولبنان.
تعكس هذه الدينامية وجهاً آخر للدبلوماسية في الشرق الأوسط: دبلوماسية لا تقوم فقط على البيانات الرسمية، بل على «كيمياء الثقة» بين الأشخاص في هذا العالم.
قد تكون كلمة في جلسة مغلقة أكثر تأثيراً من بيان دولي، وقد ينجح وسيط محلي في ما تعجز عنه مؤسسات كبرى. إنها دبلوماسية تتغذّى من التاريخ، وتتحرك وفق منطق المصالح، لكنها تحتاج دائماً إلى وجوه قادرة على حملها.
ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن تحويل هذه النجاحات الظرفية إلى مسار مستدام؟ الدبلوماسية الخفية، رغم فعاليتها، تبقى رهينة الأشخاص والظروف. وإذا كانت قد نجحت في فرض وقف إطلاق النار المهتز، فإن التحدي الأكبر يكمن في تثبيته ضمن إطار دولي وإقليمي مؤسسي يحمي العالم من تقلّبات السياسات الدولية العظمى لا المربكة لكنها المزدوجة قبل طاولات التفاوض وبعدها.
هنا يكتسب خطاب الرئيس جوزاف عون بُعداً تكميلياً لهذا المسار لا يمكن اعتباره مرتجلاً من رجل جنوبي عرفناه قاد الجيش في أحلك الظروف وحفظه موحّدا برمشيه واني لأوقّع بالعشر على ذلك، إذ لم ولا يكتفي بتوصيف اللحظة، بل حاول جادّا رسم أفق لمستقبل اللبنانيين لما بعدها. لم يختزل في مبادرته وقل مقاربته وقف إطلاق النار بكونه نهاية جولة من التوتر، بل يُقدَّم للأجيال فرصة لإعادة تعريف معنى هذه الدولة المتعبة والتي أتعبت العالم ودورها. اعتبر التفاوض تشديد على مقاربة الاستقرار الحقيقي الذي لا يمكن أن يقوم فقط على توازن الردع، بل على ترسيخ مؤسسات في بلد صغير عالمي قادر على احتضان جميع اللبنانيين، وصون سيادتهم ضمن إطار وطني جامع.
هنا أودّ أن أترحّم على دماثة السيد حسن نصرالله ولياقة خطبه وتعبيره وصورته زعيما يتم تهشيمها عبر الخطب الارتجالية والمواقف الانفعالية من قادة حزب الله الذين تسبقهم ألسنتهم إلى ما ليس يدرون قطعا. ويمكن. هضم انفعالاتهم التي طفت فوق مياه التواصل الإجتماعي المتعكرة.
بهذا المعنى، يلتقي الخطاب الرئاسي مع الدبلوماسية الناعمة عند نقطة أساسية: ضرورة الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الاستقرار. فإذا كان بري والكثر في البر والبحر والداخل والخارج قد نجحوا في لحظة «إطفاء الحرائق»، فإن التحدّي الذي يطرحه الرئيس عون هو كيفية منع اشتعاله ودفعه بجرأة نحو العيش بسلام والرئيس أساسا جنوبي صافٍ من قرية العيشية في الجنوب. بين هذين الدورين، تتكامل الصورة: وساطة تُنهي التصعيد، ورؤية تسعى إلى تثبيت السلم.
في النهاية، يكشف هذا المشهد عن حقيقة مزدوجة: أن لبنان متعب ومنهك رغم هشاشته، ويمتلك قدرة فريدة هائلة على إنتاج تسويات معقّدة؛ وأن العالم، رغم قوته، لا يستطيع فرض الاستقرار دون شركاء محليين.
وبين دبلوماسية الظل التي تدير اللحظة، ودوائر القرار التي تمتد حتى الروابط العائلية في واشنطن، والخطاب السياسي الذي يرسم المستقبل، تتشكّل ملامح مرحلة جديدة، يبقى رهانها الأكبر أن يتحوّل وقف إطلاق النار من هدنة مؤقتة إلى بداية مسار طويل نحو دولة أكثر تماسكاً وسيادة تحضن أبنائها بعلمانية صارخة تعانق المؤمنين لتذكّرني أن أبي في أقصى الجنوب كان ينهرني ولدا صغيرا وارتجف اذ يصرخ السادسة مساء: اسدل الستائر إسرائيل في الجنوب.
لن أسدل الستائر بعد اليوم.