الإنقسامات ومشاريع التضليل في الجمهورية اللبنانية غالباً وعلى مدى سنوات الإستقلال كانت وتكون على خلفية الموقف السياسي، وهذا الأمر بمثابة إنقسام سياسي ينعكِس سلباً على المكوّنات اللبنانية والذي حصل بين اللبنانيين على خلفية رأيهم وموقفهم بدءاً من العام 1975 مع إتفاقية القاهرة وإنتشار السلاح الفلسطيني، إلى الخلافات الحادّة والتي أدّت لإنشاء الميليشيات داخل المجتمع اللبناني، إلى الإنقسام الحادّ حول ما عُرِف بمسألة «توحيد البندقية، أو ما يُعرف بـ«7 تموّز المشؤوم»، إلى ما عُرِف بالإتفاق الثلاثي وأبعاده والإنقسام الحادّ بين المسيحيين والذي أدّى إلى إسقاط هذه الإتفاقية، إلى الصراع على السلطة بين المُسلمين والمسيحيين، إضافة إلى وهج الحالة العونية والصراع المسيحي - المسيحي الدموي الذي أدّى إلى خسارة المسيحيين مراكزهم في الدولة... وفي كل مرحلة كنا نعيش إنقساماً حادّاً لدى الرأي العام ومشاريع تضليل ممنهجة استعملها قادة الأمر الواقع، وهذا فيض من غيض.
الإنقسامات ومشاريع التضليل عوامل رئيسية وركيزة أساسية في إضعاف المجتمعات كونها أكثر العوامل التي تؤثر سلباً على الرأي العام وتُفْقِدَهُ حيويته وتُضاعف عوامل الشرذمة في كل الفئات الفتيّة التي يُعتبر مسار تضليلُها أمراً مُساعداً على نمّو هذه الإنقسامات. لأسباب هذه الإنقسامات ومشاريع التضليل عوامل عديدة ومتشعبة منها ما هو سياسي - إجتماعي - اقتصادي - إجتماعي، إلى جانب إنسداد الأفق الحواري السياسي بين الرأي العام، وتبعات هذا الإنقسام وإنعدام الأمن وإرتفاع معدلات البطالة وتقلُّص المساحات المدنية، إضافةً إلى تعطيل الحياة الديمقراطية والتراجع الحادّ في حالة الحريات العامة والفردية... كل هذه الأمور أدّتْ إلى شيوع حالات من الخوف واليأس لدى الرأي العام وحالات من الخوف لأنّ من لديه ذهنية المعارضة يُنعت بنعوت لا تمتّ إلى الواقع بأي صلة.
الإنقسامات ومشاريع التضليل إنعكاس لتنوّع المسؤولين منهم من يعمل بضمير ومهنية سياسية ومنهم من يعمل في السياسة ضمن مبادئ تجارية ذات منافع خاصة، وعادة ما يظهر هذا النوع من الإنقسام نتيجة التأثير السياسي والوضع المعيشي، ولا شك في أنّ هذا الإنقسام إنعكس سلباً على واقع الجمهورية اللبنانية بحيث أصبحت جمهورية منهارة على أيدي من يُديرونها وللأسف هم من يُعالجون أمورها وهذه الأمور إنعكست سلباً على توجهات الرأي العام وبات أداة تحركها مافيا السياسة.
الإنقسامات ومشاريع التضليل تسود في المجتمع اللبناني والسبب أنّ المواطن اللبناني قليل الخبرة والكفاءة في الفكر السياسي ومعيار المُشاركة السياسية هو «الإقطاع السياسي» ونظرة تمييزية على أساس الولاء المُطلق أو العداء لكل معارض فمعيار السياسة في الجمهورية له مؤشرات كثيرة وهو التبعية والإرتهان، وهذا ما يتقاطع مع التهميش على مستويات الإدراك وحسنْ الإختيار وما أنتج فجوات كبيرة بين التمثيل والديمغرافيا السياسية.
حالياً لا يزال الإنقسام السياسي يؤثر بشكل سلبي وكبير على بُنية مجتمعنا اللبناني ويتسبّب في خلق إنقسامات سياسية - أمينة - فكرية - إجتماعية تؤثر سلباً على النسيج الإجتماعي والسلم الأهلي وبالتالي على النظام السياسي الحالي في عملية التغيير وتطبيق ما ورد في خطاب القسم والبيان الوزاري... الإنقسامات في المواقف (سلاح حزب االله - التدخّل الإيراني مسألة تطبيق النظام...)، الأمر الذي يُعزِّز التعصُّب وهو إحدى الظواهر الخطيرة التي تتفشّى في المجتمع اللبناني.
دونما نسيان حالات التحشيد والتبعية الحزبية (مواقف مسؤولي حزب االله) التي لا تقبل الآخـر المختلف فحسب إنما تنفيه أو «تصفيّه»... وما ينتج عن ذلك من عوامل مدمرة للمجتمع اللبناني.
من حيث المنطق القانوني والدستوري هناك إنقسام كبير لا بل خطير بين اللبنانيين، وذلك بسبب الإختلافات العميقة في المنطلقات الدستورية الفكرية والمنظومة السياسية لكل من القوى المؤثرة على المسرح السياسي اللبناني الأمر الذي أدّى في المراحل الحالية إلى وقوع إنقسام عامودي على الساحة اللبنانية، وهذا الإنقسام ألقى بظلاله على مختلف مناحي حياة اللبنانيين خصوصاً في المناطق التي سيطر عليها حزب االله وحوّلها مناطق عسكرية تابعة له في وقت تغاضت الدولة بمسؤوليها السياسيين والروحيين إضافةً إلى المجتمعين العربي والدولي وقوات حفظ السلام وجميعهم تغاضوا عن ثلاثة أمور; الأمر الأول: التدخّل الإيراني في الشأن اللبناني، الأمر الثاني: الترسانة العسكرية، الأمر الثالث وهو أخطرهم مصادرة الدولة بكل أجهزتها الرسمية.
إنعكاسات هذا الإنقسام ومشاريع التضليل كبيرة وخطيرة وارتداداتها ما تزال حاضرة وفاعلة وقد تأثّرت مجمل العلاقات الوطنية بين مختلف مكونات الشعب اللبناني، وقد تكون إنعكاسات الإنقسام على الناس أكثر تأثيراً وسلبية لأسباب عديدة أهمها أن الرأي العام مُضلّل، وعلينا كباحثين التذكير أن ساسة الأمر الواقع يستخدمــون بعض الناس لحسم الأمور لصالحهم ولصالح من يتعاونون معهم ويستعملون أساليب عديدة منها: المواجهات - التحريض - النشاطات ذات الطابع النّدي.
إننا من الجيل الذي عاش تجربة الإنقسامات وإنعكاساتها وتفاعلاتها لأننا عايشنا وخبرنا مكائد ساسة الأمر الواقع وآلية نهجهم الإنقسامي والتضليلي، لــذا علينا كناشطين ومراكز أبحاث PEAC وبالتعاون مع النظام السياسي اللبناني المتمثِّل برئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء وبالمجلس النيابي المفروض علينا لإنضاج تسوية سياسية تتطلب تفاهمات صريحة بيننا كنخب فكرية تهدف للحدّ من الصراعات الجامحة وتقاسم النفوذ.
* أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والاقتصادية (PEAC)