بيروت - لبنان

اخر الأخبار

15 نيسان 2026 12:15ص مقوّمات التفاوض

حجم الخط
إن من يراقب مسار المفاوضات التمهيديّة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران يلاحظ أن الخفّة وعدم المهنيّة قد ميّزتا هذا التواصل والذي يُفترض به أن يكون على مستوى أرفع من حيث الجديّة والإحترافية خاصّةً أنه يجري بين دولتين كبيرتين وفي مرحلة سياسية هامّة ودقيقة على الصعيدين الدولي والإقليمي.
وإنه من المستغْرب أن يتمّ الإعلان عن مسودّة نقاط أكّدها الطرف الأول في حين نفاها الطرف الآخر وأصبحت بالتالي موضع أخذ وردّ وتخمين ممّا يُشير الى عدم إنتظامية في حلّ نزاع عالمي له تأثير كبير على الساحة الدولية. وحيث أن المفاوضات بين دولتين معاديتين تتمايز بخطورة ودلالة كبيرتين لأنها تؤسّس لمرحلة سلام أو هدنة بينهما رأينا من المناسب أن نلقي بعض الأضواء على أهمية وكيفيّة التفاوض بين أطراف النزاع.
لا بدّ لنا أولاً من الإشارة إلى أن المفاوضات هي مرحلة من النقاش المباشر وجهاً لوجه حيث تُجابه المواقف والمطالب والأفكار بهدف الوصول إلى نقاط مشتركة أو التوافق على مطالب كل من الطرفين ثمَّ تُكرّس في إتفاق محدّد البنود. الشائع هو أنه غالباً ما يكون الاتفاق سهلاً بين دولتين متساويتين في القوّة العسكرية في حين يصعب بين دولتين تتفوّق الأولى على الثانية من حيث القوّة العسكرية بحيث يهون التمييز بين الهازم والمهزوم الذي يرفض استيعاب هزيمته.
ومن المفيد أن نذكر هنا أن أعلى مرجع أممي والمتمثّل بالأمم المتحدة يشجّع على التفاوض عند حصول أي نزاع دولي ولقد نصّت المادة /33/ فقرة /1/ من ميثاق الأمم المتحدة على أنه «يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يُعرّض حفظ السلم والأمن الدولي للخطر أن يلتمسوا حلّه بادئ ذي بدء بطريق المفاوضة...».
ويوجد ثلاثة أنواع من التفاوض إذ يحصل الأول قبل الإشتباك العسكري والذي يلجأ إليه الطرفان بغية تجنّب سفك الدماء وتحمّل مسؤوليته أمام الشعب، في حين يتحقّق الثاني تحت النار وخلال الإشتباك العسكري بين الطرفين كوسيلة من وسائل الضّغط. أمّا النوع الثالث فيحدث بعد انتهاء الحرب وبعد استسلام أحد طرفي النزاع ويكون من نتيجته إجراء تسوية يتفوّق فيها الرابح على الخاسر لكن الخاسر الحقيقي هو شعوب الدولتين المعاديتين. ولقد صَدَق الفيلسوف «نيتشه» عندما قال: إن المنتصر أحمق في حين أن المهزوم سيكون أكثر رغبة بالإنتقام. والواضح لدينا أن المنتصر أحمق لأنه لن يتمكّن من ربح أي حرب من دون تكبّد خسائر في الأرواح والجرحى إضافة إلى الدمار...
• ما هي مقوّمات التفاوض؟
نعرض فيما يلي بعض المبادئ التي يتوجّب على كل مفاوض أن يتقيّد بها لبلوغ تسوية من شأنها حلّ أي نزاع أو عداء بين الدول.
• ضرورة أن يتخلّى أطراف النزاع عن مبدأ: ما لي هو لي وما هو لك قابل للتفاوض. ففي هكذا مواقف يتعذّر بلوغ أي نتيجة فعلية.
• أن تعارض المصالح والمطالب يفترض تنازل الطرفين عن مطالبهما بشكل متساوٍ في حال تعادلا من حيث القوّة.
أمّا في حال تفوّق طرف على آخر بشكل واضح فالحكمة العملية تقتضي في أن يتنازل الطرف الأضعف عن المزيد من مطالبه ومصالحه لكي تتمّ التسوية. هذه هي القاعدة المعتمدة في مثل هذه الحالات. ولقد أكّد المؤرخ اليوناني Thucydides هذا المبدأ قائلاً: أن القوي يفرض ما يريد أمّ الضعيف فيقبل بما يُفرض عليه.
• لا يمكن لأي مفاوض مهما بلغت درجة إنتصاره أن يحقّق كل مطالبه لأنه إذا أراد أن يحصل على كل شيء فانه لن يحلّ شيئاً. كما يترتّب على المفاوض أن يعتمد طريقة «خطوة خطوة» وأن يتجنّب خلط المطالب أو معالجة مشاكل أخرى من دون حلّ المشكلة موضوع النقاش.
• كلّما بالغ المفاوض في مقدار أو مستوى مطالبه قلّل من مقدار التنازل عن أي منها. كما يتوجّب عليه أن يكون واضحاً وواقعياً في تحديد منهجية وأهداف التفاوض.
• إذا كانت المفاوضات معقّدة ومثيرة للجدل فإنه من الأفضل أن تحصل بواسطة وفد تفاوضي وليس بمندوب واحد وهنا يترتّب على رئيس الوفد أن يكون حاسماً في تنسيق وجهات نظر أعضاء الوفد.
• من الملائم أن يتضمّن الوفد المفاوض إضافة الى الدبلوماسيين المهنيين والخبراء في السياسة الخارجية خبراء تقنيين وهذه حاجة ماسّة.
• من البديهي أن يعكف الطرف المفاوض على تنظيم محاضر دقيقة لكل جلسة. فإذا نجحت المفاوضات يُستعان بها من أجل تفسير بنودها عند الحاجة وفي حال فشلت فإنها ستكون الأساس الضروري عند استئناف المفاوضات لاحقاً. وبناء عليه فإنه يتوجّب على من يُسجّل المحاضر أن يكون متمرّساً لأنها ستساعد فريقه المفاوض على منع الفريق الآخر من استغلال أي موقف لصالحه.
• إن التفاوض ليس عمل صَدَقة Charity بل يهدف الى بلوغ نتيجة تلائم مصالح الطرفين وهذا يعني أنه يعتمد منهج الإقناع والتركيز على الوقائع.
• من أهم خاصيّات المفاوض أن يحترم الطرف الآخر وألّا يوجّه إليه أي إهانة ومن نافل القول ألّا يقبل بدوره إهانة الطرف الآخر له. كما عليه أن يتجنّب الغضب لأنه يُفقد المفاوض هيبته واحترامه لنفسه ويحرمه من التركيز على ملفه وأفكاره.
• لا توجد تنازلات مجانيّة في المفاوضات وفي حال تمّ التنازل عن مطلب ما فمن الواجب أن يُمنح بدقّة وحذر بالغين. وإنّ كل اقتراح يُقدم يقتضي عرضه بكل حيطة كما أن كل وعد يتمّ تداوله خلال النقاش يستلزم تقديم ضمانات. وإن هذا الحذر المعتمد يستند الى منطق وواقع التفاوض الذي يتخلّله العديد من التحايل والتآمر إذ أن الصدق والإستقامة لا ينتميان الى هذا العالم.
• من أولويات المفاوضات أن يكون المفاوض مستمعاً جيداً ودقيقاً في انتقاء وغربلة كلماته إذ أنه لا يمكن استرجاع الكلمة بعد التفوّه بها. وعند تحقيق هدف معيّن أو الاتفاق على موضوع محدّد يتوجّب تدوينه فوراً.
• تبيّن الواقعات السياسية أن سريّة المفاوضات هي بمثابة شرط أساسي لنجاحها وفي هذا السياق نذكر مقولة للرئيس ريتشارد نيكسون:
« Le secret des négociations fait avancer l`entente. La publicité la détruit».
وهكذا يتحصّل لنا أنه لا يجوز للمتفاوضين أن ينشروا أي شيء عن مسار ومضمون التفاوض بل عليهم أن يحافظوا على سريّتها وكتمان بنودها طيلة مراحل التفاوض لغاية التوصّل إلى اتفاق ما وأن الكشف عن بنوده أو بعضها يعرّضه لخطر عدم إنجازه. لكننا نرى أنه من الملائم أن تتمّ إحاطة الرأي العام بالإطار العام من دون الدخول في التفاصيل. وإن السرّية حاجة ماسّة بهدف تسهيل مهمّة التفاوض لأنه في حال تقديمه أي تنازل للطرف الآخر فإنه سيصعب عليه التراجع عنه في حال حصل الإعلان عنه.
وبكلمة مختصرة نقول أن كلّ اتفاق يحتاج ال تسوية وإن أي تسوية تعني تنازلاً عن بعض المطالب ويستلزم ذلك أن تقبل اليوم ما رَفضت أن تقبله أمس أو أن تتنازل اليوم عمّا رَفضت أن تتنازل عنه أمس. ونضيف قائلين أنه على المتفاوضين أن يتذكّروا أنّ التفاوض هو حوار مبني على العطاء والأخذ وإلّا لما كان بالإمكان التوصّل إلى تسوية. أي لا بدّ من أن يخسر الفريقان بعضاً من حقوقهما أو مطالبهما قياساً مع منسوب القوّة التي يتمتّع كل طرف بها.
إن الحروب هي الصفة اللازمة للطبيعة البشرية منذ وجودها عبر الأزمنة ويتحمّل وحدهم حكّام وزعماء العالم مسؤولية اللجوء إلى الحرب. وكان الرئيس «روزفلت» قد أعلن في العام 1936: «أن الشعوب في كل أنحاء العالم يرغبون في العيش مع بعضهم البعض لكن الحكام والحكومات ما زالوا يلجئون الى الحرب». وحيث أن الحرب أمر واقع في العلاقات الدولية وتبدو حتميّة في بعض الأحيان كما أشار «مكيافللي»:
«On ne peut éviter une bataille quand l`ennemi la veut à tout prix» فكان من الطبيعي أن يفرض المنتصر إرادته على المهزوم لأن الغاية من الحرب بلوغ أهداف معيّنة حيث تنتهي بتحقيقها. وحيث أن الحرب حتمية في العديد من الظروف والحالات وبما أن الدبلوماسية تلعب دوراً فاعلاً في التوصّل إلى تسوية عبر الحوار بين الدول المتحاربة فلماذا لا تسعى هذه الدول المتنازعة الى الحوار الدبلوماسي وإيجاد تسوية قبل التورّط في الحروب وسفك الدماء والتسبّب بوقوع الجرحى والدمار.
ومن وحي ما ورد آنفاً نختم بهذا المثل الهندي الشعبي:
«عندما تتعارك الفيلة فإن الحشيش هو الخاسر الأكبر».
مساكين الشعوب كانت وما تزال ضحايا جهل الحكام.

* دكتور في القانون العام