ما دفع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الى تكرار مقولة «سأسلك اي طريق لوقف الحرب» هو القناعة الراسخة لديه ان الوقت حان لإنهاء هذه الحالة والإنتقال الى السلام. لعل هذا الكلام لم يعجب كثيرين، حيث شنت حملة شعواء ضده وضد خيار التفاوض المباشر مع اسرائيل، في حين انه رفع لواء السيادة وعدم الإستسلام والخضوع. يدرك الرئيس عون ان أولويات التفاوض ليست موضع نقاش وعندما يتم تثبيت وقف اطلاق النار فإن مسار هذه العملية يتوسع علما انه ليس بالضرورة ان يحصل التقدم سريعا.
وبين مؤيد ومعارض لخطوة التفاوض، يبرز توافق رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة نواف سلام عليها ما يعكس وحدة الموقف والتنسيق وهي مسألة مطلوبة، اما دخول بعض الدول العربية والغربية أمثال المملكة العربية السعودية وفرنسا على خط الإهتمام بالملف اللبناني فذاك يعني دعما للتوجه الرئاسي بشأن المبادرة التفاوضية. وعلى خط متوازٍ، يأتي الحراك المحلي في إتجاه الخارج ضمن عنوان تأمين غطاء دولي لما يجري في واشنطن ولاحقا في الشكل الرسمي للمبادرة.
وهنا تعتبر مصادر سياسية مطلعة عبر «اللواء» ان خطاب الرئيس عون الأخير كما مواقفه امام زواره رمى الى تحديد اهداف التفاوض والقائمة على وقف الأعمال العدائية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لمناطق جنوبية ونشر الجيش حتى الحدود الجنوبية المعترف بها دوليا، وتعلن ان ما يهمه هو مواكبة هذا الموضوع بأوسع دعم وطني وهو يدعو الى تحقيق ذلك، متوقفة عند زيارات وفود نيابية كما نواب منفردين الى قصر بعبدا لإستطلاع الأجواء وإقتراح خارطة طريق او غير ذلك والعودة الى اتفاق هدنة العام 1949، مع العلم انه عند انطلاق المفاوضات الثنائية التي يترأس وفد لبنان اليها السفير السابق سيمون كرم ستتظهَّر أكثر فأكثر العناوين والمضامين التي يخوض فيها الجانبان اللبناني والإسرائيلي.
وتؤكد هذه المصادر ان فشل التفاوض له ارتداداته، كما ان بطء مساره يجعل الوضع اكثر تفاقما ولكن ما من احد قادر على توقع المرحلة المقبلة في هذا الملف بالذات، فإختلاف الرؤى بين لبنان واسرائيل حول الأهداف كما حول كيفية تنفيذ الضمانات اذا وجدت يجعل التفاوض يسير في حقل من الألغام، وهنا يبرز دور الولايات المتحدة الأميركية ولاسيما رئيسها دونالد ترامب في التدخل لحل الإشكالات.
وفي كل الأحوال، يرى الخبير الدستوري المحامي الأستاذ سعيد مالك في تصريح لـ«اللواء» انه في العودة الى احكام الدستور فإن من يتولى التفاوض هو رئيس الجمهورية عملا بأحكام المادة 52 منه، وهذه المادة تنص صراحة على ان صلاحية التفاوض والإبرام تعود الى رئاسة الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ومن يحدد سياسة الدولة هو مجلس الوزراء عملا بأحكام المادة 65 وبالتالي كل ما يحكى عن ضرورة خارطة طريق من اجل التفاوض او وضع اسس لأجل التفاوض هو كلام لا مكان له في الدستور على الإطلاق كون هذه الصلاحية مناطة بمجلس الوزراء الذي يضع السياسة العامة للدولة وبرئيس الجمهورية الذي يملك حصرا صلاحية التفاوض مع اي فريق كان، وبالتالي كل من له رأي مخالف اليوم بإمكانه ان يدلي به في مجلس النواب عندما يأتي هذا الإتفاق او تأتي هذه المعاهدة الى المجلس من اجل هذه المصادقة، عندها يحق لهذه الفئة او مجموعة من النواب معارضة الإتفاق وإسقاطه بالتصويت، وهناك حياة برلمانية يجب احترامها وأهم مظاهرها احترام الدستور ونصوصه وصلاحية كل فريق من الافرقاء من السلطات .
اما لجهة الخطوات المنتظرة من المرتقب ان يكلف رئيس الجمهورية الوفد المفاوض إن كان مشكَّلاً من شخص واحد او عدة اشخاص من اجل ان يفاوض اسرائيل ويعمل الوفد اللبناني تحت إدارة رئيس الجمهورية واشرافه وتوجيهاته وعند وصوله الى مسودة اتفاق معينة يُطلِع عليها رئيس الجمهورية موافقا عليها او رافضا لها وهذا امر حتمي، كذلك فإن اسرائيل ستشكل وفدا للتفاوض مع الوفد اللبناني ونتيجة هذا التفاوض يمكن ان تكون هناك مسودة لها طريق طويل من اجل ان تقر في مجلس الوزراء وقبل ذلك في مجلس النواب.
ويؤكد مالك ردا على سؤال انه عندما يتم وضع تصور او مسودة اتفاق كالذي حصل في اتفاق 17 أيار 1983، فتحال الى مجلس النواب من اجل المناقشة والإستحصال على إجازة ترخيص للحكومة بأن تبرم هذه الإتفاقية لأن الإبرام النهائي يعود الى مجلس الوزراء بعد الاستحصال على ترخيص وإجازة مجلس النواب، وفي حال لم يوافق المجلس على هذه الإتفاقية ولم يمنح الإجازة للحكومة للتوقيع على هذا الإتفاق عندها يسقط الإتفاق ويعتبر وكأنه لم يكن. اما في حال اجاز مجلس النواب للحكومة إبرام هذا الإتفاق عندها تبرم الحكومة الإتفاق كما وردت اليها.
لا يزال مبكراً الحديث عن نتيجة التفاوض والتوصل الى مسودة او غير ذلك انما هناك آلية لا بد من سلوكها وفق الدستور كي يمرّ التفاوض عبر اسس سليمة.