الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990): من انهيار السيادة التوافقية إلى تشظّي الدولة (2/4)
د. طلال الساحلي*
إذا كان اندلاع الحرب قد كشف حدود النظام التوافقي، فإن المرحلة التالية كشفت تحوّلاً أكثر عمقاً: انتقال الدولة اللبنانية من أزمة في إدارة السلطة إلى أزمة في احتكار وظائف السيادة. فالأزمة الأولى كانت أزمة سياسية تتعلق بعجز النخب الطائفية عن التوافق على قواعد الحكم داخل الدولة، أما الأزمة الثانية فأعمق، لأنها لا تتعلق بمن يحكم الدولة، بل بما إذا كانت الدولة لا تزال هي الجهة التي تحكم فعلاً.
فالدولة الحديثة لا تُعرّف فقط بوجود مؤسسات دستورية أو اعتراف دولي، بل بقدرتها على ممارسة وظائف محددة تجعلها المرجعية العليا داخل إقليمها. ومن أهم هذه الوظائف احتكار استخدام القوة، وتطبيق القانون، وإدارة الموارد، وتنظيم المجال العام. وهذه الوظائف مترابطة عضوياً؛ فاحتكار القوة يمكّن الدولة من فرض القانون، وتطبيق القانون يمكّنها من إدارة الموارد بعدالة نسبية، وإدارة الموارد تمنحها الشرعية اللازمة لتنظيم المجال العام. غير أن الحرب اللبنانية أدت إلى تفكيك هذا الاحتكار تدريجياً، بحيث أصبحت هذه الوظائف موزعة بين الدولة الرسمية وبين قوى أخرى نشأت خارجها.
لقد كان السلاح أول مظاهر هذا التحوّل، لكنه لم يكن المظهر الوحيد. فالمسألة لم تكن مجرد انتشار مجموعات مسلحة، بل ظهور سلطات موازية تمارس وظائف شبيهة بوظائف الدولة. فقد أقامت القوى المسيطرة على مناطق معينة أجهزة أمنية خاصة بها، وأنشأت آلياتها الخاصة لإدارة النزاعات كمحاكم أهلية للفصل في الخلافات، ونظمت عمليات الجباية والتمويل عبر نقاط تفتيش ومعابر خاصة، وأدارت الخدمات الأساسية في المناطق التي خضعت لنفوذها، من كهرباء ومياه وصحة وتعليم، وإن بقيت هذه الخدمات محدودة ومتفاوتة الجودة مقارنة بما كانت تقدمه الدولة قبل الحرب.
وهنا يظهر الفرق بين حالة الفوضى وحالة السيادة المتشظية. فالفوضى تعني غياب السلطة، أما التشظي فيعني وجود سلطات متعددة تؤدي وظائف السلطة نفسها. وفي الحالة اللبنانية، لم يكن المجتمع يعيش فراغاً كاملاً، بل كان يعيش تعدداً في مراكز التنظيم والإكراه والإدارة. وهذا ما يميز لبنان عن النماذج الكلاسيكية لـ»الدولة الفاشلة» في أدبيات العلوم السياسية، التي تصف غالباً بلداناً فقدت كل مظاهر التنظيم المركزي؛ فلبنان لم يفقد التنظيم بقدر ما فقد مركزيته، إذ استمرت وظائف الدولة لكنها تشظت بين فاعلين متعددين مارس كل منهم نوعاً من «الدولنة» المصغّرة داخل نطاقه.
وقد انعكس هذا الأمر بصورة واضحة على احتكار الدولة للعنف المشروع. فمنذ تعريف ماكس فيبر للدولة الحديثة باعتبارها الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للعنف داخل إقليم معين، أصبح احتكار القوة أحد المعايير الأساسية لقياس فاعلية الدولة. لكن الحرب اللبنانية أظهرت نموذجاً مختلفاً: دولة تحتفظ بالشرعية القانونية، بينما تتوزع القدرة العسكرية بين أطراف متعددة، وهذا الانفصال بين الشرعية والقدرة هو ما يجعل الحالة اللبنانية نموذجاً دراسياً غنياً لفهم أزمات السيادة في الدول التي مزقتها الحروب الأهلية.
ولم يكن هذا التحوّل عسكرياً فقط، بل كان سياسياً واجتماعياً أيضاً. فمع تراجع الدولة، بدأت الجماعات المحلية تعتمد بصورة متزايدة على مؤسساتها الخاصة، الأمر الذي عزز الانتماء إلى التنظيم أو الطائفة على حساب الانتماء إلى الدولة. وهكذا، لم تعد الدولة مجرد مؤسسة ضعيفة، بل أصبحت تنافسها مؤسسات أخرى قادرة على إنتاج الولاء والحماية والخدمات.
وهنا تتضح طبيعة التحوّل الذي شهدته السيادة اللبنانية. فلم تعد الأزمة تتمثل في صعوبة التوصل إلى توافق داخل الدولة، بل في أن الدولة نفسها لم تعد المكان الوحيد الذي ينتج القرار السياسي. لقد أصبح القرار موزعاً بين مؤسسات رسمية وقوى أمر واقع، وبين حسابات داخلية ومرجعيات خارجية، وهو ما يفسر صعوبة تطبيق التحليل السياسي التقليدي القائم على دراسة المؤسسات الدستورية وحدها على حالة كهذه.
وهذا ما سيقودنا في الجزء التالي إلى دراسة البُعد الإقليمي والدولي لهذا التشظي، لأن انتقال وظائف السيادة لم يحدث فقط من الدولة إلى القوى المحلية، بل امتد أيضاً إلى المجال الخارجي، حيث أصبحت القرارات الكبرى المتعلقة بلبنان مرتبطة بشبكة معقّدة من التدخلات الإقليمية والدولية.
إن أخطر ما أنتجته الحرب الأهلية اللبنانية لم يكن مجرد تراجع سلطة الدولة، لأن الدول قد تمر بمراحل ضعف مؤقتة ثم تستعيد قدرتها، بل كان التحول في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فقد بدأت الدولة تفقد موقعها بوصفها المرجعية الوحيدة التي تنتظم داخلها العلاقات السياسية والاجتماعية، وظهرت بدلاً منها مراكز متعددة للسلطة تمارس وظائف سيادية بدرجات مختلفة. ويكمن الفارق بين الضعف المؤقت والتحول البنيوي في أن الأول لا يمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، بينما يعيد الثاني تشكيل توقعات المواطن نفسه.
لقد أدّى هذا الواقع إلى نشوء ما يمكن تسميته بالجغرافيا السياسية المتعددة داخل الدولة الواحدة. فلم يعد لبنان، خلال سنوات الحرب، مجالاً سياسياً موحداً تتحرك فيه المؤسسات نفسها بالقواعد نفسها، بل أصبح مجموعة من المناطق التي تخضع لأنماط مختلفة من السلطة والإدارة والأمن. وكانت الحدود بين هذه المناطق لا تعكس حدوداً قانونية، بل حدود نفوذ فرضتها موازين القوى.
وهنا تكمن خصوصية الحالة اللبنانية؛ فلم تكن المشكلة في وجود جماعات سياسية مسلحة فقط، فهذه ظاهرة عرفتها دول كثيرة خلال الحروب الأهلية، بل في أن هذه الجماعات لم تكتفِ بمواجهة الدولة، وإنما بدأت تقوم بوظائف الدولة داخل المجالات التي سيطرت عليها. فقد أصبح لكل منطقة تقريباً منظومة أمنية خاصة بها، وآلياتها الخاصة في إدارة النزاعات، وشبكاتها الخاصة في توزيع الموارد والخدمات، وهو ما جعل عملية إعادة بناء الدولة لاحقاً أكثر تعقيداً.
وقد أدّى ذلك إلى تحوّل عميق في مفهوم الشرعية. ففي الدولة المستقرة، تستمد السلطة شرعيتها من الدستور والقانون والمؤسسات. أما في ظروف الحرب، فقد بدأت تظهر شرعيات بديلة تقوم على القدرة على الحماية، أو الدفاع عن الجماعة، أو تمثيل قضية سياسية أو وطنية معينة. وهكذا أصبح الفرد أمام مصدرين للسلطة: الدولة القانونية من جهة، والسلطة الواقعية المسيطرة على الأرض من جهة أخرى.
ولا يعني ذلك أن المجتمع اللبناني فقد إيمانه بالدولة، بل إن استمرار التمسك بفكرة الدولة اللبنانية خلال الحرب يثبت أن الدولة بقيت تمثل إطاراً رمزياً وقانونياً مهماً، كما يتضح من استمرار صرف رواتب موظفي القطاع العام، واستمرار الاعتراف الدبلوماسي الدولي بالحكومة، واستمرار التداول بالعملة الوطنية رغم انهيار قيمتها. لكن المشكلة أن هذا الإطار لم يعد متطابقاً مع الواقع العملي؛ فالدولة بقيت موجودة بوصفها فكرة ومؤسسة قانونية، لكنها فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على تحويل هذه الشرعية إلى سلطة فعلية.
وهنا يظهر الفرق الأساسي بين سيادة الدولة كصفة قانونية والسيادة كقدرة عملية على الحكم. وهذا التمييز الذي ناقشته الأدبيات الحديثة حول الدولة والسيادة يفسر كيف استطاعت الدولة اللبنانية أن تبقى عضواً معترفاً به في النظام الدولي، بينما كانت عاجزة في الداخل عن ممارسة وظائفها كاملة. وما يميز الحالة اللبنانية هو أن السيادة القانونية ظلت متماسكة نسبياً، بينما تآكل المستوى العملي تدريجياً ومن منطقة إلى أخرى.
وقد انعكس هذا الانقسام أيضاً على المجال الاقتصادي والاجتماعي. فمع انهيار الإدارة المركزية في مناطق واسعة، بدأت القوى المسيطرة تنشئ شبكاتها الخاصة للتمويل والخدمات، عبر اقتصادات موازية قائمة على شبكات تهريب وتجارة غير رسمية وموارد تمويل خارجية. ولم يكن ذلك مجرد إجراء مؤقت، بل أدّى إلى نشوء أنماط جديدة من الاعتماد الاجتماعي والسياسي، حيث أصبحت بعض المجتمعات المحلية مرتبطة بالمؤسسات التي توفر لها الأمن والخدمات وفرص العمل أكثر من ارتباطها بمؤسسات الدولة.
وهذا الأمر مهم جداً لفهم استمرار آثار الحرب بعد انتهائها. فالحروب الأهلية لا تنتهي بمجرد توقف القتال، لأن المؤسسات الموازية التي تنشأ خلالها تترك آثاراً طويلة الأمد على علاقة المجتمع بالدولة. ففي الحالة اللبنانية، لم يكن التحدّي بعد عام 1990 إعادة بناء المؤسسات فقط، بل إعادة بناء فكرة أن الدولة هي المصدر الأول والنهائي للأمن والخدمات والقرار السياسي. ويمكن القول إن اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب رسمياً ركز أساساً على إعادة توزيع السلطة السياسية بين الطوائف، من دون أن يعالج بالقدر الكافي مسألة استعادة الدولة لاحتكارها الكامل لوظائف السيادة، وهو ما يفسر استمرار بعض مظاهر التشظي حتى اليوم بأشكال أقل حدّة.
ومن هنا يمكن القول إن الحرب الأهلية أدخلت لبنان في مرحلة جديدة من تاريخ السيادة. فإذا كانت المرحلة السابقة قد عرفت سيادة توافقية تقوم على مشاركة الجماعات داخل الدولة، فإن الحرب نقلت البلاد إلى مرحلة أصبحت فيها الجماعات نفسها تمتلك أدوات مستقلة عن الدولة. وهذا هو التحوّل الجوهري الذي يبرر استخدام مفهوم السيادة المتشظية، وهو تحول يضع لبنان في موقع بيني خاص، لا يصنَّف بسهولة ضمن خانة الدول الفاشلة الكاملة، ولا يمكن اعتباره دولة طبيعية تمارس سيادتها كاملة.
لكن هذا التشظي لم يكن محصوراً في الداخل اللبناني. فمع استمرار الحرب واتساعها، أصبحت السيادة اللبنانية مرتبطة بصورة متزايدة بتدخلات القوى الإقليمية والدولية، بحيث لم تعد الدولة تواجه فقط تحدّي القوى المحلية، بل أصبحت أيضاً مجالاً لتنافس مشاريع خارجية مختلفة.
ومن هنا ينتقل التحليل إلى البُعد الآخر من الأزمة.
* وزير سابق






