د. علي فاعور*
في 16 نيسان 2026 تم إعلان وقف اطلاق النار لمدة عشرة أيام في لبنان، وبعد يومين فقط في 18 نيسان، فقد أعلنت قوات الاحتلال الإسرائيلي عن إنشاء حزام أمني جديد ضمن ما يُعرف بـ «الخط الأصفر» جنوب نهر الليطاني في جنوب لبنان، حيث تم الإعلان عن نموذج منطقة عازلة شديدة الحراسة «للدفاع عن النفس»، على غرار الإجراءات المستخدمة في قطاع غزة بعد الحرب التي بدأت في أكتوبر عام 2023...
وهذه هي المرة الأولى التي يتم الإعلان فيها علناً عما يُسمّى بالخط الأصفر (Yellow Line) في لبنان، والتي باتت تصنّف بأنها منطقة أمنية عازلة.. كما زعمت إسرائيل أن مثل هذه الاجراءات «غير مقيّدة بوثيقة وقف اطلاق النار» التي تعطي إسرائيل حرية الحركة، وتظهر خريطة نشرتها السلطات الإسرائيلية أن المنطقة تمتد ما بين ثلاثة وثمانية كيلومترات من الحدود، حيث من الواضح أنها تحاول ضم مناطق لم تتمكن من السيطرة عليها خلال الحرب (مثل بنت جبيل والخيام..)، ومن المحتمل أن تمتد لتشمل عدة قرى في جنوب لبنان.
وقد مثلت هذه التدابير والاجراءات الأمنية مفاجأة بالنسبة لأهالي القرى من النازحين الذين سلكوا طريق العودة بعد ساعات من إعلان وقف النار، لكنهم أجبروا على الرجوع بانتظار الموقف الذي ستعلنه السلطات الرسمية حول خرق اتفاق الهدنة وضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي الجنوبية.
مقدمة
شهدت الحدود الجنوبية للبنان، منذ مطلع الألفية الثالثة، تحوّلات جيوسياسية متسارعة أعادت صياغة وظائفها وحدودها الفعلية، بعيداً عن التعريفات القانونية الثابتة. فقد شكّل اعتماد «الخط الأزرق» عام 2000 مرجعاً دولياً لضبط الانسحاب الإسرائيلي، وأسّس لمرحلة من التوازن الحدودي النسبي، حيث تم تثبيت مفهوم الحدود بعد اتفاق الهدنة «الخط الأخضر عام 1949».. غير أن هذا التحديد بقي هشّاً، نظراً لارتباطه بسياق أمني متغيّر، ولوجود نقاط تحفظ وخلاف لم تُحسم بشكل نهائي.
مع تصاعد المواجهات في السنوات اللاحقة، ولا سيما بعد عدوان تموز 2006، بدأ يتبلور نمط جديد من التعامل مع المجال الحدودي. وبخاصة بعد وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، حيث لم يترجم الاتفاق إلى انسحاب كامل، بل إلى تثبيت واقع ميداني جديد تمثّل في الإبقاء على خمس نقاط محتلة أمنية داخل الأراضي اللبنانية، موزعة على امتداد الشريط الحدودي.
تسعى هذه الدراسة إلى قراءة هذه التحوّلات من خلال مقاربة جغرافية–مكانية، تستند إلى تحليل الخرائط والصور الفضائية. فالخريطة المرفقة لا تُقدَّم بوصفها تمثيلاً مكانياً محايداً، بل كأداة تحليل تكشف عن دينامية تشكّل «حدود فعلية» جديدة، تختلف عن الحدود المعترف بها دولياً. وهي تُظهر بوضوح كيف يتحوّل الخط الأزرق من مرجعية حدودية إلى نقطة انطلاق لامتداد جغرافي جديد، يتم تكريسه عبر السيطرة العسكرية، والإفراغ السكاني، وإعادة تنظيم المجال.
أولاً: تثبيت النقاط الخمس كأساس ميداني بعد وقف إطلاق النار (2024)
بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني 2024، لم يُستكمل الانسحاب، بل جرى إعادة تشكيل المجال الحدودي (Spatial Reconfiguration of Borderlands)، والإبقاء على خمس نقاط عسكرية استراتيجية داخل الجنوب، وهي تضم: تلة اللبونة (في الغرب قرب رأس الناقورة)، جبل بلاط، تلة جبل الدير، تلة الدواوير، وتلة الحمامص (في الشرق جنوب بلدة الخيام).. (تتوزع حسب الخريطة المرفقة).
هذه النقاط لم تكن مواقع مؤقتة فحسب، بل شكّلت: عقد تحكم بمحاور الطرق والحركة.. ومواقع إشراف على القرى الحدودية.. ومرتكزات ميدانية للتوسّع اللاحق.. وقد برّرت هذا الوجود باعتبارات أمنية، إلّا أن القراءة الجغرافية– السياسية تكشف أن هذه النقاط لم تكن مجرد مواقع دفاعية مؤقتة، بل مثّلت: مرتكزات ميدانية (Strategic footholds) لإعادة الانتشار داخل المجال الحدودي. وتتميّز هذه النقاط بأنها: موزعة على امتداد الشريط الحدودي وتتحكم بمحاور الحركة والطرق الرئيسية، كما أنها تشرف على القرى الحدودية المباشرة.. وهذا ما يمنحها وظيفة تتجاوز المراقبة إلى التحكم بالمجال الجغرافي المحيط، وقد مهّد هذا التثبيت الميداني للانتقال إلى مرحلة أوسع من التوسّع الجغرافي في عام 2026.
ثانياً: من السيطرة الموضعية إلى التوسّع المجالي (2026)
مع تطور الأحداث خلال عام 2026، لم تبقَ هذه النقاط ضمن نطاقها المحدود، بل تحوّلت إلى مراكز ارتكاز يُبنى عليها نطاق أوسع من السيطرة للتوسّع العسكري، وأدوات لإعادة رسم المجال الحدودي.
حيث توسّع نطاق النفوذ ليشمل: نحو 61 قرية وبلدة حدودية، وذلك ضمن مساحة تتجاوز الخط الأزرق الى العمق الداخلي، ضمن ممتدة من الخيام شرقاً إلى رأس الناقورة غرباً، ما أدّى إلى نشوء:
منطقة عازلة واسعة داخل الأراضي اللبنانية.. والنتيجة هي تشكّل مجال متصل بدل نقاط منفصلة.
ثالثاً: ولادة الخط الأصفر كإطار جغرافي جديد
في هذا السياق، برز ما يُعرف بـ «الخط الأصفر»، كنطاق داخلي يوازي الحدود، يمتد من الحدود اللبنانية في قضاء حاصبيا شرقاً إلى رأس الناقورة غرباً (79 كلم)، ويتوغّل عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.. وهو يمثل على الأرض حدّاً ميدانياً غير رسمي، ونطاقاً أمنياً داخلياً، وأداة لعزل القرى الحدودية.. كما يُلاحظ أن هذا الخط الجديد لا يتطابق مع خط الهدنة والحدود الدولية (الخط الأزرق)، ويشمل القرى التي تم تفريغها أو تدميرها... ما يعكس تحوّلاًً من خط حدودي قانوني، إلى منطقة محتلة ضمن حزام جغرافي عازل مُدار أمنياً..
والنتيجة أن حصيلة هذه الهدنة المعلنة لوقف اطلاق النار، سوف تترافق مع استمرار التدمير داخل النطاق حتى بعد التهدئة، وتعطيل البنية السكنية والطرق والخدمات، ومنع عودة السكان إلى القرى الواقعة ضمنه.. ما سيؤدي الى احنلال جديد، حيث يتم تحويل النزوح إلى إفراغ سكاني فعلي عبر افراغ الجنوب اللبناني من سكانه.
رابعاً- الحدود والسيادة: نقاط الخلاف وإشكالية الترسيم
في سياق وقف إطلاق النار برزت مجدداً مسألة الحدود الجنوبية، حيث تم اعادة طرح موضوع ترسيم الحدود ضمن البيان الختامي لاعلان الهدنة. إلّا أن الواقع على الأرض يُظهر أن الإشكالية لا تتعلق بإعادة ترسيم شامل، بل بتثبيت نحو 13 نقطة خلاف حدودية (في الخريطة المرفقة)، على طول الحدود الجنوبية من رأس الناقورة في الغرب إلى بلدة الغجر في الشرق. وعلى الرغم من تثبيت خط الهدنة (الخط الأزرق) عام 2000، لا تزال هناك نقاط خلاف. وتكمن أهمية هذه النقاط في: وقوعها في مناطق زراعية وسكنية، وتموضعها على تلال استراتيجية، وارتباطها بمحاور طرق رئيسية.
وتكشف هذه النقاط، رغم محدوديتها، عن أهمية جيوسياسية كبيرة، نظراً لتموضعها في مناطق حسّاسة. كما أن تداخلها مع مناطق شهدت دماراً واسعاً يشير إلى ارتباط مباشر بين الجغرافيا العسكرية للعدوان والجغرافيا السياسية للحدود. وتبرز هنا إشكالية أساسية تتعلق بالسيادة اللبنانية، وتتمثل في الخلط بين إعادة الترسيم وإعادة التثبيت، حيث أن الإطار الحدودي قائم، لكن الحاجة تقتصر على تثبيت نقاط الخلاف، وليس إعادة رسم الحدود بالكامل.
خامساً- المنطقة العازلة كأداة لفرض السيطرة الجغرافية (De facto occupation)
تشير الخريطة إلى إدراج قرى مثل الخيام وبنت جبيل ضمن المنطقة العازلة رغم عدم تثبيت سيطرة كاملة عليها خلال الحرب. ما أدى بعد وقف اطلاق النار الى السيطرة الجغرافية الكاملة لتوسيع نطاق النفوذ وفرض واقع جديد عبر العزل ومنع الوصول، للتنظيم واعادة الانتشار داخل المجال الجديد.
هكذا يتوسّع الاحتلال حيث يتم اعادة رسم الخريطة الحدودية، وبالمقابل تجاوز خط الهدنة وتراجع دور الخط الأزرق كحدود دولية الى مرجع شكلي فقط.. ثم بروز حدود ميدانية جديدة إلزامية (De facto boundaries) داخل لبنان، حيث سيتم تحوّل القرى من فضاءات سكن وإنتاج إلى مناطق عازلة تحت الاحتلال.
الخلاصة
تكشف الخريطة الجديدة أن تثبيت الاحتلال ضمن خمس نقاط عسكرية بعد وقف إطلاق النار عام 2024 شكّل الأساس لتوسّع تدريجي في السيطرة الميدانية، انتهى عام 2026 بإنشاء منطقة عازلة واسعة ضمن الخط الأصفر داخل جنوب لبنان، تشمل نحو 61 قرية، حيث تم الجمع بين التدمير ومنع العودة لفرض واقع جغرافي جديد يتجاوز الحدود الرسمية. وهذا يمثل تحوّلاً بنيوياً في إدارة الصراع الجغرافي.
هكذا يتوسع العدوان، من النقاط الخمس (نقاط ارتكاز)، إلى نطاق عازل داخلي جديد هو الخط الأصفر، حيث لم يعد الاحتلال يُقاس بعدد المواقع العسكرية، بل بقدرته على إعادة تشكيل المجال الجغرافي وإفراغه من سكانه..
إن إعادة تشكيل الشريط الحدودي أثناء الهدنة، قد أدّت الى منع عودة النازحين، وفرض واقع ميداني جديد على الأرض، يقوم على التدمير والعزل والإفراغ، فقد شكّلت النقاط الخمس نقطة انطلاق، وتحوّلت لاحقاً إلى شبكة سيطرة، ثم إلى حزام جغرافي أمني واسع بما يكرّس حدوداً واقعية تتجاوز الخطوط المعترف بها داخل الأراضي اللبنانية. وبذلك، لم يعد الجنوب ساحة مواجهة فقط، بل مجالاً يُعاد تشكيله جغرافياً وديموغرافياً ضمن منطق السيطرة غير المباشرة.
* رئيس مركز السكان والتنمية وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية