رائد عزت محمود
لم تعد المنافسة بين القوى الكبرى تُقاس بعدد الجنود أو بحجم الترسانات العسكرية، بل باتت تُقاس بمعايير مختلفة كلياً: عدد الروبوتات في المصانع، مستوى تطوّر الإنتاج الذكي، القدرة على السيطرة على صناعة أشباه الموصلات، وسرعة الانتقال إلى الاقتصاد الرقمي. وفي هذا السياق تحديداً، لم تعد الصين مجرد منافس لـلولايات المتحدة، بل غدت قوة تكنولوجية صاعدة تعيد رسم موازين القوى العالمية بوتيرة متسارعة.
خلال العقد الأخير، انتقلت الصين من دور «مصنع العالم» منخفض التكلفة إلى مركز عالمي للإنتاج المتقدم والتكنولوجيا الصناعية. فهي اليوم تمثل أكبر سوق للروبوتات الصناعية، مستحوذة على ما يقارب نصف الطلب العالمي عليها، مع انتشار واسع للأتمتة في مصانعها، وفقاً لتقارير International Federation of Robotics. كما تتصدر شركات صينية كبرى مجالات استراتيجية مثل الإتصالات، والذكاء الإصطناعي، والسيارات الكهربائية، حيث أصبحت الصين المنتج الأول عالمياً في هذا القطاع، متقدمة على الولايات المتحدة وأوروبا، مع سيطرة متنامية على سلاسل التوريد، لا سيما في قطاع البطاريات.
وإذا انتقلنا من مستوى السرد العام إلى لغة الأرقام، تتضح فجوة التنافس بصورة أدق. ففي قطاع الروبوتات الصناعية، تمتلك الصين أكثر من 1.7 مليون روبوت صناعي عامل داخل مصانعها، مقارنةً بنحو 400 إلى 450 ألف روبوت فقط في الولايات المتحدة. أي أن الصين تشغّل ما يقارب أربعة أضعاف القدرة التشغيلية الروبوتية الأميركية، وهو فارق يعكس تحوّلاً عميقاً في القدرة الإنتاجية، لا في التكنولوجيا فحسب.
كما أن كثافة الأتمتة (عدد الروبوتات لكل 10.000 عامل) في بعض القطاعات الصينية المتقدمة باتت تقترب من نظيراتها في الدول الصناعية الكبرى، في حين تتفوّق الصين في الحجم الإجمالي للإنتاج، ما يمنحها ميزة الجمع بين «الكم والتكنولوجيا» في آنٍ واحد. غير أن الفارق الحقيقي لا يقتصر على عدد الروبوتات، بل يمتد إلى تكلفة الإنتاج، حيث تلعب الطاقة دوراً حاسماً في ترجيح كفّة التنافس.
فعلى مستوى الطاقة، يبلغ متوسط سعر برميل النفط القادم من OPEC ما بين (75) و(85) دولاراً، وفقاً للأسعار العالمية. في المقابل، يُباع النفط الإيراني الذي يصل إلى الصين بخصومات ملحوظة، إذ يتراوح بين 55 و65 دولاراً للبرميل. أما النفط الفنزويلي الثقيل، فقد جرى تداوله أحياناً بأسعار أدنى، في حدود 50–60 دولاراً للبرميل، نتيجة العقوبات وصعوبات التسويق. هذا يعني أن الصين تحصل، في بعض الحالات، على النفط بخصم يتراوح بين (20% و30%) مقارنة بالسعر العالمي. وعند ترجمة هذا الفارق إلى المستوى الصناعي، يمكن أن يصل الفرق في تكلفة الطاقة لكل مصنع إلى ملايين الدولارات سنوياً، ما يمنح المنتجات الصينية ميزة تنافسية مباشرة على صعيد السعر العالمي، لا سيما في الصناعات الثقيلة والتكنولوجية كثيفة الاستهلاك للطاقة.
بعبارة أخرى، لا تكمن قوة الصين فقط في قدرتها على التصنيع، بل في قدرتها على خفض كلفة هذا التصنيع - وهو العامل الذي يصعب على المنافسين مجاراته حتى مع امتلاك التكنولوجيا. هذا التقدم لم يعد مجرد نمو اقتصادي طبيعي، بل تحوّل إلى مصدر قلق استراتيجي حقيقي في واشنطن؛ إذ تساهم الصين اليوم بنحو (28%) من الإنتاج الصناعي العالمي، وتقترب تدريجياً من تصدّر الاقتصاد العالمي، مدعومة بقدرة هائلة على التنفيذ وسرعة لافتة في تحويل الإبتكار إلى إنتاج فعلي.
لكن، رغم هذه القوة، تواجه الصين نقطة ضعف هيكلية شديدة الحساسية، تتمثل في اعتمادها الكبير على الطاقة والمواد الخام المستوردة. ولا يقتصر هذا الإعتماد على النفط فحسب، بل يشمل منظومة واسعة من الموارد الحيوية. تستورد الصين يومياً ما يقارب (11) مليون برميل من النفط الخام، ويتوزع هذا الإعتماد على عدة مناطق رئيسية:
• من دول الخليج العربي، خاصة السعودية والعراق والإمارات العربية المتحدة والكويت، ما بين 5 إلى 6 ملايين برميل يومياً.
• من إيران، ما بين 1.2 إلى 1.5 مليون برميل يومياً.
• من فنزويلا، نحو 700 إلى 800 ألف برميل يومياً.
ولا يتوقف الأمر عند النفط، بل يمتد ليشمل الغاز الطبيعي وعناصر نادرة مثل الهيليوم، الذي يُعد مكوّناً أساسياً في صناعة أشباه الموصلات. ومن هنا، لا يمكن فهم الصورة الكاملة دون التوقف عند البُعد الأكثر حساسية في هذه المعادلة: الممرات البحرية للطاقة. فهذه الممرات ليست مجرد طرق تجارية، بل تمثل شرايين الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب 20% من إمدادات النفط العالمية يومياً. وأي خلل في هذا المضيق لا يعني فقط إرتفاع أسعار النفط، بل قد يؤدي إلى إعادة تشكيل ميزان القوة الاقتصادية عالمياً خلال أيام.
ورغم تعدد الأهداف الاستراتيجية التي قد تقف خلف أي مواجهة محتملة مع إيران - من تغيير النظام، إلى ضرب الأذرع العسكرية، إلى تقييد برنامج الصواريخ الباليستية، وصولاً إلى الحد من تخصيب اليورانيوم - يبقى العامل الحاسم الذي يشغل العالم اليوم هو أمن تدفّق الطاقة عبر هذا الممر الحيوي.
فالجميع يدرك أن أي إغلاقا أو حتى إعاقة للملاحة في مضيق هرمز سيؤثر مباشرة على الصين، التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط القادمة عبر هذا المسار، كما سيمتد تأثيره إلى أوروبا وآسيا، بل وإلى استقرار الأسواق العالمية ككل.
بعبارة أوضح، لم يعد الصراع يدور فقط حول من يسيطر على الأرض... بل حول من يسيطر على طرق الإمداد. ولهذا، فإن التركيز العالمي على مضيق هرمز اليوم ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس حقيقة أن إغلاق هذا الشريان - ولو مؤقتاً - قد يبطئ صعود قوى كبرى مثل الصين دون إطلاق رصاصة واحدة.
لذلك، لا تقف الولايات المتحدة موقف المتفرّج، بل تتبنّى استراتيجية تقوم على استهداف نقاط الضعف، لا سيما في الطاقة وسلاسل الإمداد؛ من خلال إدارة تدفّق الموارد بدلاً من قطعها، ورفع كلفة الطاقة، ومحاولة إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية.
هكذا تتقاطع خطوط الصراع في القرن الحادي والعشرين: التكنولوجيا، والطاقة، وسلاسل الإمداد.
إنها حرب من نوع مختلف... حرب تُدار عبر الطاقة، وتُحسم عبر التكنولوجيا، ويكسبها في النهاية من يملك القدرة على التحكّم بتدفّق الموارد، لا بإنتاجها فحسب.