أحدثت الحرب الأخيرة بين إسرائيل و«حزب الله» شرخاً عميقاً في النسيج اللبناني، يتجاوز في حدّته كثيراً من الخلافات السابقة. فقد اتّسعت الفجوة بين شرائح من الطائفة الشيعية ومكوّنات أخرى في المجتمع لا تشاركها التوجّه السياسي من جهة، وبينها وبين السلطة التنفيذية في الدولة من جهة أخرى، بما ينذر بارتدادات اجتماعية وسياسية وربما أمنية قد تستمر لفترة غير قصيرة، في ظل الهشاشة البنيوية التي يعانيها لبنان أصلاً.
الأخطر أن شعوراً متنامياً بالمظلومية بدأ يتبلور في بعض الأوساط الشيعية، بغض النظر إن كان شعوراً محقاً أو كناية عن توهّم، مدفوعاً بتجربة الحرب وتداعياتها، وبخطابات سياسية وإعلامية تحريضية وعوامل استثمار خارجية، تعيد تأطير هذه التجربة ضمن سردية الغبن والاستهداف، واتهامات متبادلة بالتخوين والتآمر، وتؤجج الدعوة إلى الانتقام وتصفية الحسابات. إذا ما ترسّخ هذا الشعور، فإنه سيتحوّل إلى عامل ضغط بنيوي على الحياة السياسية والثقافية في لبنان، ويؤثر في إعادة تشكيل التحالفات والاصطفافات داخل البلاد.
غير أن هذا المسار ليس حتمياً، حتى ولو كان مرجّحاً. فالمجتمع الشيعي، كغيره من مكوّنات لبنان، ليس كتلة واحدة، بل يضم تنوّعاً في المواقف والرؤى والخيارات. كما أن مآلات هذا الشعور ستتوقف إلى حد كبير على كيفية تعاطي القوى السياسية معه: هل يُستثمر لتعميق الانقسام، أم يُحتوى ضمن مقاربة وطنية تسعى إلى ترميم الثقة وإعادة بناء مساحات مشتركة؟
في هذا السياق، تبدو «المظلومية الشيعية الجديدة» تحدّياً جدّياً للنسيج اللبناني، لا باعتبارها قدراً محتوماً، بل بوصفها مساراً خطيراً مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتراوح بين التمترس خلف سرديات الانقسام أو الانفجار الكبير، وبين إمكانية احتواء التداعيات ضمن مشروع وطني يعيد الاعتبار لفكرة الشراكة، ويؤسس لمرحلة أكثر توازناً واستقراراً.