بيروت - لبنان

اخر الأخبار

1 أيار 2026 12:00ص بين الهدنة (1949) والقرار 1701 (2006): هل يكفي الماضي لضبط حاضر الجنوب؟

حجم الخط
منذ اندلاع المواجهات في جنوب لبنان عام 2023 بين حزب الله وإسرائيل وصولاً الى اليوم، عاد النقاش حول جدوى الإطار القانوني الناظم للوضع الحدودي. وفي خضم هذا الجدل، يبرز طرح يدعو إلى إعادة تفعيل اتفاقية الهدنة لعام 1949 كمدخلٍ للحل، مقابل التمسك بالقرار 1701 كمرجعيةٍ قائمة. فهل نحن أمام خيارين متناقضين، أم أمام مسارين يتكاملان حتماً؟
في الأصل، وُلدت اتفاقية الهدنة عام 1949 في سياق إقليمي مختلف تماماً، إذ جاءت في أعقاب الحرب العربية–الإسرائيلية الأولى، وبرعاية الأمم المتحدة، واستناداً الى القرار رقم 62 الصادر عن مجلس الأمن في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1948. كانت وظيفتها محددة: وقف الأعمال العدائية وترسيم خط فصل عسكري (خط الهدنة)، خفض القوى الى مستوى دفاعي عن جانبي خط الهدنة، مع إنشاء آلية رقابة تتبع لهيئة مراقبة الهدنة التابعة للأمم المتحدة (UNTSO). لم تكن الاتفاقية معنية ببناء سلام دائم، ولا بتنظيم التوازنات الداخلية اللبنانية، ولا بمسألة السلاح خارج الدولة. كانت ببساطة «نظام وقف نار» تقليدياً، نجح نسبياً في تثبيت هدوء طويل، لكنّه بقي هشاً وقابلاً للاهتزاز مع كل تحول إقليمي.
أما القرار 1701 الصادر أيضاً عن مجلس الأمن، فقد جاء بعد حرب تموز 2006 ليعكس تحولاً في التفكير الدولي تجاه النزاع. فهو لا يكتفي بوقف الأعمال العدائية، بل يسعى إلى بناء بيئة استقرار مستدام. من هنا، نصّ على تعزيز دور لقوة الأمم المتحدة المؤقتة اليونيفيل، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وربط الاستقرار بمسألة حصرية السلاح بيد الدولة. كما كرّس "الخط الأزرق” كمرجع عملي لضبط الحدود، وهو في جوهره امتداد تقني لخط الهدنة لعام 1949.
رغم هذا التباين في السياق والنطاق، لا يمكن الحديث عن تناقض قانوني بين الاتفاقيتين. فالقرار 1701 لم يلغِ اتفاقية الهدنة، بل بُني فوقها ضمناً، ووسّع وظائفها. إذا كانت الهدنة تمثل الحد الأدنى من الترتيبات الأمنية، فإن 1701 يشكل محاولة للانتقال من «إدارة النزاع» إلى «تنظيمه» ضمن إطار دولي أوسع. بعبارة أخرى، العلاقة بينهما هي علاقة تطور لا قطيعة.
غير أن الإشكالية لا تكمن في النصوص بقدر ما تكمن في الواقع. فطرح العودة إلى اتفاقية 1949 يعكس، في أحد أوجهه، نزعة إلى تبسيط الأزمة عبر الاكتفاء بوقف النار، من دون معالجة أسبابها البنيوية. في المقابل، يظهر القرار 1701 كإطار طموح لكنّه معطّل جزئياً، بسبب غياب الإرادة السياسية لتنفيذه الكامل، سواء لجهة حصر السلاح أو فرض سيادة الدولة على كامل أراضيها.
هنا يبرز السؤال الجوهري: هل المطلوب اليوم «خفض السقف» إلى منطق الهدنة، أم «رفع مستوى الالتزام» بالقرار 1701؟ الواقع أن الخيارين ليسا متعارضين بالضرورة. إذ يمكن النظر إلى اتفاقية 1949 كقاعدة تقنية لضبط الاشتباك ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة، فيما يبقى 1701 الإطار السياسي–الأمني الأوسع الذي يفترض أن يعالج جذور عدم الاستقرار.
لكنّ هذا التكامل النظري يصطدم بعقبة أساسية: غياب التوازن بين النص والتطبيق. فالهدنة، إذا طُبقت وحدها، قد تعيد إنتاج استقرار هش يشبه ما كان قائماً قبل 2006، أي هدوء قابل للانفجار عند أول اختبار. أما 1701، إذا بقي حبراً على ورق، فلن يكون أكثر من مرجعية معلّقة تستخدم في الخطاب السياسي من دون أثر فعلي على الأرض.
من هنا، تبدو المقاربة الأكثر واقعية هي الجمع بين الإطارين ضمن رؤية واحدة: تثبيت وقف الأعمال العدائية وفق منطق الهدنة، بالتوازي مع الدفع نحو تنفيذ تدريجي لبنود 1701، خصوصاً ما يتعلق بتعزيز دور الدولة اللبنانية. فالمشكلة ليست في تعدد المرجعيات، بل في غياب الإرادة لتحويلها إلى وقائع.
فعلى هذا الاعتبار، نخلص الى القول أنّه لا يكفي استحضار الماضي لضبط الحاضر، ولا يكفي التمسك بنصوص دولية من دون تطبيقها. الجنوب اللبناني يقف اليوم بين «هدنة تاريخية» و«قرار دولي حديث»، لكن مستقبله سيتحدد ليس بأي منهما نظرياً، بل بمدى القدرة على تحويلهما معاً إلى قاعدة فعلية للاستقرار.

(*) أستاذ جامعي في القانون الدولي والدستوري